423

...ثم قال: ( فإن قلت: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله عزوجل: " لولا أن رءا برهان ربه" - يوسف 24- فائدة، قلت: فيه أعظم الفوائد، وبيانه من وجهين: أحدهما أنه تعالى أعلم يوسف أنه لو هم بدفعها لقتلته، أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله، فأعلمه الله بالبرهان أن الامتناع من ضربها أولى صونا للنفس عن الهلاك، والثاني أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه، فربما تعلقت به فكان يتمزق ثوبه من قدام، وكان في علم الله أن الشاهد يشهد بما يظهر في القميص، فأعلمه الله بالبرهان هذا المعنى، فلم يشتغل بدفعها عن نفسه، وولى هاربا، وقدت قميصه من دبر، وشهد من أجل ذلك الشاهد ببراءته وخيانتها) ه(1).

...ونقله الخازن في تفسيره معتمدا عليه(2)، وهو صريح في حمل قوله: "وهم بها" على مدافعة المرأة وصرفها عنه بالضرب ونحوه؛ وقد حكى ذلك القاضي عياض أيضا في الشفا ونصه:( وقيل هم بضربها ودفعها) ه، قال الشهاب عليها: ( وما وقع في القصص من حل السراويل وما بعده كذب لا أصل له) ه.

...وقال الإمام ابن العربي في الأحكام: ("ولما بلغ أشده ءاتيناه حكما وعلما"-يوسف 22- بين الله بهذا حال يوسف من حين بلوغه من أنه آتاه العلم بما علم، وخبر الله صادق، ووصفه صحيح، وكلامه حق، فقد عمل يوسف - عليه السلام - بما علمه الله من تحريم الزنا وتحريم خيانة السيد والأجنبي في أهله، فما تعرض لامرأة العزيز، ولا أناب إلى مراودتها، بل أدبر عنها وفر منها، حكمة خص بها وعملا بمقتضى ما علمه الله سبحانه، وهذا يطمس وجوه الجهلة من الناس، والغفلة من العلماء في نسبتهم إليه مالا يليق به، وحاشا لله ما علمت عليه من سوء، بل أبرئه بما برأه الله منه فقال: ولما بلغ أشده ءاتيناه حكما وعلما كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا الذين استخلصناهم)، ه منها بلفظها.

Página 132