4
وهما في نزاع دائم، ولكل من هذين الأصلين قدرة الخلق، فأصل الخير هو النور وقد خلق كل ما هو حسن وخير ونافع، فخلق النظام وخلق الحق وخلق النور وكلب الحراسة والديك ونحو ذلك من الحيوانات النافعة، والواجب على المؤمن العناية بها؛ وأصل الشر هو الظلمة، وقد خلق كل ما هو شر في العالم، فخلق الحيوانات المفترسة والحيات والأفاعي والحشرات والهوام، وعلى المؤمن قتلها، والحرب بين هذين الروحين سجال، ولكن الفوز النهائي لروح الخير؛ والناس في الحرب ينحازون إلى الروحين، فمنهم من ينصر «أهورا» ومنهم من ينصر «أهرمن»، وليس الروحان يباشران الحرب بأنفسهما بل بمخلوقاتهما.
وكان الإنسان موضع نزاع بين الروحين؛ لأنه مخلوق مزادا، ولكنه خلقه حر الإرادة، فكان في الإمكان أن يخضع للقوى الشريرة، والإنسان في حياته تتجاذبه القوتان، فإن هو اعتنق دينا حقا، وعمل عملا صالحا، وطهر بدنه ونفسه، فقد أخزى روح الشر، ونصر روح الخير واستحق الثواب من «مزدا»، وإلا قوى روح الشر وأسخط عليه «مزدا».
كذلك من أهم مبادئه: أن أشرف عمل للإنسان الزراعة والعناية بالماشية، فحبب إلى الناس أن يزرعوا، وأن يعيشوا مع ماشيتهم، وأن يجدوا ويعملوا، حتى حرم على أتباعه الصوم؛ لأنه يضعفهم عن العمل، وهو يريدهم أقوياء عاملين.
وعلم أن الماء والهواء والنار والتراب عناصر طاهرة يجب ألا تنجس، وكان من مظاهر هذا تقديس النار واتخاذها رمزا، وتحريم تنجيس الماء الجاري، وتحريم دفن الموتى في الأرض، ونحو ذلك:
وللإنسان حياتان: حياة أولى في الدنيا، وحياة أخرى بعد الموت، ونصيبه في حياته الآخرة نتيجة لأعماله في حياته الأولى، قد أحصيت أعماله في كتاب، وعدت سيئاته ديونا عليه؛ وفي الأيام الثلاثة التي تعقب الموت تحلق نفس الإنسان فوق جسده، وتنعم أو تشقى تبعا لأعماله، ومن أجل هذا تقام الشعائر الدينية في هذه الأيام إيناسا للنفس، وعند الحساب تمر النفس على صراط ممدود على شفير جهنم، وهو للمؤمن عريض سهل المجاز، وللكافر أرق من الشعرة؛ فمن آمن وعمل صالحا جاز الصراط بسلام؛ ولقي «أهورا» فأحسن لقاءه، وأنزله منزلا كريما، وإلا سقط في الجحيم وصار عبدا لأهرمن، وإن تعادلت سيئاته وحسناته ذهب الروح إلى الأعراف إلى يوم الفصل.
وقد غيب على الإنسان في حياته الدنيا ما أعد له بعد موته، ولم يعلم الخير من الشر، فكان من رحمة الله أن أرسل رسولا يهدي به الناس؛ وفي الأساطير الزردشتية أن النبوة نزلت أولا على جمشيد ملك الفرس، ولكن لم يستطع حملها، فحملها زردشت، فكان الله يكلمه وينزل عليه الوحي.
ويعلم زردشت أن يوم القيامة قريب، وأن نهاية هذه الحياة ليست بعيدة وسيستجمع «مزدا» قوته، ويضرب إله الشر ضربة قاضية، ويعذبه بالجحيم هو ومن أطاعه.
فلسفته: بجانب هذه التعاليم الدينية نرى للديانة الزردشتية أبحاثا فيما وراء المادة، ولكن لم يكن بحثهم فيها شاملا - كالذي كان عند اليونان - بل كان بحثا جزئيا مفرقا؛ كذلك نرى لهم في هذا خاصية تشبه التي كانت للعرب بعد الإسلام، وهي امتزاج أبحاثهم - فيما وراء المادة - بالدين والتوفيق بينهما، ولم يبحثوا فيها بحثا مستقلا كما فعل اليونان مثلا.
فمن أبحاثهم الفلسفية بحثهم في النفس، فالديانة الزردشتية ترى أن نفس الإنسان قد خلقها الله بعد أن لم تكن، وتستطيع أن تنال الحياة الأبدية السعيدة إذا حاربت الشرور في العالم الأرضي، وقد منحها الله حرية الإرادة، فهي تستطيع أن تختار الخير أو الشر، وللنفس الإنسانية قوى مختلفة: (1)
Página desconocida