إن عقيدة التشكك إزاء الاستعداد للحياة الآخرة، بما فيه من بناء قبر ضخم مجهز بالأساس الجنازي الوفير، ثم التسليم بعدم فائدة العتاد المادي للمتوفى، لم يخرج أمرهما عن كونه موجة عكسية صغيرة وسط تيار محيط الحياة المصرية، وذلك بالرغم مما رأيناه من المبالغة في شأنهما في العصر الإقطاعي. والواقع أن مثل تلك الاتجاهات كانت، من جهة، من مستلزمات عقيدة التشاؤم واليأس المطلقين، كما كانت من جهة أخرى من مستلزمات الاعتقاد (الآخذ في النمو) بضرورة التزود بالقيم الخلقية للحياة الآخرة، ولم تخرج تلك الآراء عن كونها ثورية لم تحمل في تيارها الجم الغفير من الشعب المصري؛ ولذلك لما صارت سعادة الآخرة حقا مشاعا لجميع المتوفين سارع عامة الشعب إلى التعلق بهذا الامتياز الجديد الذي يجعل لهم حق التمتع بذلك المصير السماوي الفخم الذي كان من زمن بعيد موقوفا على الفرعون فقط، فأقبلوا على تلك الشعائر الجنازية وواصلوا القيام بالمحافظة على طقوسها.
وقد استمرت العناية بإقامة تلك الشعائر تزداد وتنتشر دون أي التفات إلى ذلك الصمت البليغ والخراب البادي اللذين كانا يخيمان فوق هضبة الأهرام وفوق جبانات أولئك الأجداد. وباستعراض الماضي نجد أن والد «مريكارع»، بالرغم من أنه كان يشعر شعورا قويا بتلك الأهمية الخطيرة للحياة الفاضلة، لم ير أن يزين لابنه الاستغناء عن القبر؛ إذ يقول له: «زين مثواك (يعني قبرك) الذي في الغرب، وجمل مقعدك في الجبانة.» ولكنه لم يفته في الوقت نفسه أن يضيف إلى ذلك قوله: «كإنسان مستقيم أقام العدالة؛ لأن ذلك هو ما يعتمد عليه القلب.»
ويتضح من ذلك أن هذا الملك المسن لم يكن يعتبر القبر المتين وحده كافيا لضمان السعادة في الحياة الآخرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نرى أن «إبور» قد قال للملك: «وفضلا عن ذلك فإنه من الخير أن تقيم أيدي الناس الأهرام وتحفر البحيرات وتغرس خمائل جميز الآلهة.»
وقد كان يعد فقدان القبر في نظر طائفة الموظفين الأثرياء أرهب عاقبة ممكنة لعدم ولاء المتوفى للملك؛ ولذلك قال أحد الحكماء لأولاده: «لا قبر لإنسان خارج على جلالة الملك، بل إن جثته سيلقى بها في الماء.»
1
ومن أجل ذلك اتجه الأشراف في ذلك العصر إلى بناء المقابر وتجهيز معداتها طبقا لما كانت عليه الحال قديما. والواقع أنه لم يعد بعد في قبضة يد الملوك ذلك السلطان المطلق على الحكومة حتى يمكنهم أن يتخذوا منها مجرد هيئة منظمة لإقامة المقبرة الملكية الهائلة، ومع ذلك فإن طبقة الموظفين المكلفين بإقامة مثل تلك المباني لم يترددوا في موازنتها بالجيزة (جبانة الجيزة)، فقد أظهر «مرا» أحد مهندسي الملك «سنوسرت الأول» ارتياحا عظيما عندما كلف من قبل الملك «ليقوم له ببناء مثوى أبدي تفوق شهرته «رستا» (يعني الجيزة) ويكون أثاثه أحسن من أثاث أي مكان آخر، وفي المنطقة الممتازة الخاصة بالآلهة، فكانت عمد ذلك المثوى تخترق السماء، والبحيرة التي حفرت فيه قد وصلت إلى النهر، وأبوابه العظيمة التي تناطح السماء قد أقيمت من أحجار طرة البيضاء، وقد فرح «أوزير»، أول أهل الغرب، بكل آثار سيدي (الملك)، كما سررت أنا نفسي وابتهج قلبي بما قد قمت بإنجازه.»
2
و«المثوى الأبدي» المذكور هنا هو قبر الملك، وهو يشمل كذلك المزار أو المعبد الجنازي الذي يكون قبالته، كما يدل على ذلك الوصف المذكور .
ومع أن مقابر أشراف الإقطاعات لم تعد تبنى بعد حول هرم الملك كما كان يفعل الأشراف ورجال الإدارة في زمن عصر الأهرام، وصارت الآن منبثة في إقطاعاتهم في طول البلاد وعرضها، فإنهم استمروا يتمتعون إلى حد ما بالهبات الجنازية التي كانت تصرف من الخزانة الملكية، تشهد بذلك الصيغة الدينية المألوفة: «هي قربان يهديه الملك.» وهي الصيغة التي كانت شائعة في المقابر التي حول الأهرام، فصارت الآن تنقش بكثرة بمقابر الأشراف.
على أن هذه الحال لم تعد مقصورة على مقابر الأشراف؛ إذ إنه بعد التطور الأخير في معتقدات الطبقات الراقية عن الآخرة وانتشارها بين الشعب، صار من العادات المعروفة المرعية أن يتضرع كل إنسان إلى الملك حتى يعطيه نصيبا من تلك الهبات الجنازية الملكية؛ ولذلك نجد كل طبقات المجتمع - حتى أحقر العمال - المدفونين في العرابة المدفونة كانوا يتضرعون لنيل «قربان يهبه إليهم الملك» بالرغم من أنه كان من المستحيل طبعا أن تتمتع غمارة الشعب بامتياز كهذا.
Página desconocida