لذا فإن اختزال حياتنا في «سلسلة من لحظات الحاضر المجردة وغير المترابطة» ينجم عنه «أن عيش الحاضر» يغدو موقوفا وبقوة ل «المادي» وللظاهر، «إنه عالم يأتي إلى الانفصام عنيفا ، وحاملا قوة المشاعر السرية والقمعية، ومتوهجا بدوافع الهلوسة. وعليه فما الذي يحدث إذا فقد العالم آنئذ عمقه وبات عرضة لأن يكون سطحا رقيقا ، ووهما، أو مجرد تتابع لصور فيلم من دون معنى؟»
73
والنتيجة أن هذه الروح المتشظية قد حولت الذات من كونها واعية لديها القدرة على تكوين المعنى، إلى ذات انفصامية تفتقد المعنى في كل ما يتراءى لها (الانفصام هنا ليس بالمعنى السريري الضيق).
74
ويفترض دولوز وجاتاري في «أوديب-مضادا
l’Anti-Oedipe » علاقة بين انفصام الشخصية والرأسمالية التي تشيع «في المستوى الأعمق نفسه من الاقتصاد، وعملية الإنتاج» مستنتجين أن «مجتمعنا ينتج الانفصامات مثلما ينتج شامبو «بريل» وسيارات «فورد» مع فارق وحيد هو أن «الانفصامات لا تباع».»
75
لكن في ظل غياب مفهوم العقل والحقيقة والنسق والمعيار، وحلول قيم العدمية والتشظي والتعددية والاختلاف، هل يوجد في الخطاب ما بعد الحداثي مفهوم محدد للأخلاق؟ هل يمكن الحديث عن أخلاق ما بعد حداثية؟ أو عن معايير أخلاقية في عالم ما بعد الحداثة؟
ما دمنا لا نستطيع، كما يشدد مفكرو ما بعد الحداثة، أن نطمح إلى أي تمثيل موحد للعالم، أو تصوره كلا مشتملا على روابط وصلات، وإنما مجرد شظايا في حالة تدفق مستمر؛ فإن الحديث عن «ما هو معياري» سيصبح ضربا من الوهم. لذا يضيع مفهوم «الأخلاق» بالمعنى التقليدي ويتم استبداله بمفهوم «القانون»؛ فالقانون وقتي ووضعي وقابل للتغير وهو مرتبط بظروف المكان والزمان الذي يوجد فيهما. سوف تصبح إذا مفاهيم «الخير» و«الشر» مفاهيم نسبية عابرة داخل حدود وظروف ما محدودة وفي إطار تفسيري ما، وحين ينظر إلى أي فعل خارج هذين المجالين سيصبح بلا معنى. ويرى رورتي في مقالة كتبها بعنوان «التضامن»
Solidarity
Página desconocida