التقديمَ عندَهم جائزٌ، وإنما يمتنعُ تقديمُ معمولِ المصدرِ المنحلِّ لحرفٍ مصدري والفعلِ، كما تقدَّم بيانه آنِفًا، وإنما يَتِمُّ على مذهبِ أبي الحسن، فإنه يمنَعُ تقديمَ معمولِ المصدرِ النائبِ عن الفعلِ، وخالَفَ الجمهورَ في ذلك. الثاني: أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ، وذلك المحذوفُ يجوزُ أَنْ يُقَدَّر فعلَ أمرٍ مراعاةً لقولِه: ﴿لاَ تَعْبُدُونَ﴾ فإنه في معنى النهي كما تقدَّم، كأنه قال: لا تَعْبدوا إلا اللهَ وأَحْسِنوا بالوالدين. ويجوز أن يُقَدَّر خبرًا مراعاةً لِلَفْظِ «لا تعبدون» والتقديرُ: وتُحْسِنُون. وبهذين الاحتمالين قَدَّر الزمخشري، وَيَنْتَصِبُ «إحسانًا» حينئذٍ على المصدرِ المؤكِّد لذلك الفعلِ المحذوفِ. وفيه نظرٌ من حيث إنَّ حَذْفَ عاملِ المؤكِّد منصوصٌ على عدمِ جوازِه، وفيه بَحْثٌ ليس هذا موضعَه. الثالث: / أن يكونَ التقديرُ: واستوصُوا بالوالدَيْن فالباءُ تتعلَّقُ بهذا الفعل المقدَّرِ، وينتصبُ «إحسانًا» حينئذٍ على أنه مفعولٌ به. الرابعُ: تقديرُه: ووصَّيْناهم بالوالدَيْنِ، فالباءُ متعلِّقةٌ بالمحذوفِ أيضًا، وينتصبُ «إحسانًا» حينئذٍ على أنه مفعولٌ من أجلهِ، أي لأجل إحساننا إلى المُوصَى بهم من حيث إن الإِحسانَ مُتَسَبِّبٌ عن وصيتِنا بهم أو الموصى لِما يترتَّبُ الثوابِ منَّا لهم إذا أَحْسَنوا إليهم. الخامس: أن تكونَ الباءُ وما عَمِلَتْ فيه عطفًا على قولِه: ﴿لاَ تَعْبُدُونَ﴾ إذا قيلَ بأنَّ «أَنْ» المصدريةَ مقدرةٌ، فينسِبُكَ منها ومِمَّا بعدها مصدرٌ يُعْطَفُ عليه هذا المجرورُ، والتقديرُ: أَخَذْنا ميثاقَهم بإفرادِ الله بالعبادَةِ وبالوالدَيْن، أي: وبِبِرِّ الوالدَيْن، أو بإحسانٍ إلى الوَالدَيْن، فتتعلَّقُ الباءُ حينئذٍ بالميثاقِ لِما فيه من معنى الفعلِ، فإن الظرفَ وشِبْهَهُ تعملُ فيه روائحُ الأفعالِ، وينتصبُ «إحسانًا» حينئذٍ على المصدر من ذلك المضافِ المحذوفِ وهو البِرُّ لأنه بمعناه أو الإِحسانُ الذي قَدَّرناه. والظاهرُ من هذه الأوجهِ
1 / 462