Durr Manzur
الدر المنظوم من كلام المصطفى المعصوم صلى الله عليه وسلم
Editorial
بدون
الدر المنظوم من كلام المصطفى المعصوم ﷺ
تأليف
الإمام الحافظ علاء الدين مغلطاي البكجري الحنفي
(المولود سنة ٦٨٩ هـ، والمتوفى سنة ٧٦٢ هـ) رحمه الله تعالى
إشراف ومراجعة
محمد عوامة
تقديم وتعليق
حسن عبجي
Página desconocida
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد الأنبياء وخاتم المرسلين، سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإنَّ من خيرِ ما صنّفَ فيه المصنفون: أحاديثَ الأحكام، إذ هي أدلة الفقه وعليها يَسْتند، وبها تُعرف الأحكام ومنها تُسْتَمدّ، وبها يُعبد الرب على بصيرة.
لذلك فقد أولاها العلماء اهتمامًا بالغًا، وصنفوا فيها التصانيف المختلفة: فمنهم من أسهب، ومنهم من اختصر، ومنهم من توسط.
فمن الذين أسهبوا -بل أولهم-: الإمام الحافظ عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي الإشبيلي، أبو محمد، المعروف بابن الخَرَّاط -ت ٥٨١ هـ- حيث ألف فيه "الأحكام الكبرى"، جاء في مقدمة "تحفة الأحوذي" ١: ٢٧١: "وهو كتاب كبير في نحو ثلاث مجلدات، انتقاه من كتب الحديث" انتهى.
ومنهم الإمام مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحرَّانى المعروف بابن تيمية -ت ٦٥٢ هـ- جدُّ شيخ الإسلام، ألف كتابه "الأحكام الكبرى" ثم انتقى منه خَمسة آلاف حديث وتسعة وعشرين حديثًا، وسماه "المنتقى".
ومن الذين توسطوا: الإمام تقي الدين محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المعروف بابن دقيق العيد -ت ٧٠٢ هـ- صنَّف كتابه "الإلمام بأحاديث الأحكام" تضمن ١٤٧٣ حديثًا.
1 / 5
ومنهم: الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني -ت ٨٥٢ هـ- صنّف "بلوغ المرام من أدلة الأحكام" تضمن ١٥٩٦ حديثًا.
ومن الذين اختصروا: الإمام الحافظ تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الدمشقي -ت ٦٠٠ هـ - صنّف "عمدة الأحكام"، واشتمل على ٤١٩ حديثًا مما اتفق الشيخان على إخراجه.
ومنهم: مصنِّف كتابنا هذا: الحافظ علاء الدين مُغْلَطاي -ت ٧٦٢ هـ- جاء كتابه مشتملًا على ٣٦١ حديثًا، موزعة على أبواب الفقه، متحريًا فيها أصحَّ الصحيح، وهو ما أجمع الأئمة الستة على تخريجه، ملحِقًا بكل باب فصلًا للأحاديث الضعيفة فيه، فجاء هذا الكتاب متميزًا عن الكتب السابقة بهذا النهج الجديد.
ولكونه مختصرًا: يسهل تداوله، وقراءته، والانتفاع به، وهو ما دعاني لخدمته وإخراجه.
وتتميمًا للفائدة: قدمت بين يدي الكتاب بترجمةٍ لمؤلفه، ودراسة موجزة للكتاب، تضمنَّتْ: توثيقَه، والتعريفَ بالنسخة الخطية التى اعتمدتها في إخراجه، والتعريفَ بناسخ الكتاب، ومنهجَ مُغْلَطاي فيه، وخدمتي للكتاب.
ولأستاذنا فضيلة الشيخ محمد عوامة حفظه الله الشكر الجزيل لإشرافه ومراجعته هذا العمل، وإرشادي إلى بعض مصادره، فجزاه الله عني خيرًا.
هذا، وإني أضرع إلى الله القدير أن يرحم مُصَنِّفَه، وأن ينفع به من أخرجه، وكلَّ من طالع أو نظر فيه، إنه أكرم مجيب، وصلي الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
المدينة المنورة
٢٨/ ١ / ١٤١٤
وكتبه
حسن عبجي
1 / 6
ترجمة المؤلف
- اسمه ونسبه
- مولده
- طلبه للعلم
- شيوخه
- تدريسه
- تلاميذه
- تصانيفه
- وفاته
1 / 8
ترجمة الحافظ مُغْلَطاي (١)
اسمه ونسبه:
هو الإمامُ العلاّمةُ المحدِّثُ، الحافظُ المُفْتَن، النْسَّابهُ المؤرخُ، علاءُ
(١) من مصادر ترجمته: "البداية" لابن كثير ١٤: ٢٩٦، و"الوفيات" لمحمد بن رافع السَّلامي ٢: ٢٤٣ - ٢٤٤ و"الذيل على العبر" لأبي زرعة العراقي ١: ٧٠ - ٧٣، و"التبيان شرح بديعة البيان" لابن ناصر الدين الدمشقي مخطوط ١٥٦/ ب، و"الدرر الكامنة" ٤: ٣٥٢ - ٣٥٤، و"لسان الميزان" ٦: ٧٢ - ٧٤ كلاهما لابن حجر، و"لحظ الألحاظ" لابن فهد: ١٣٣ - ١٤٢، و"النجوم الزاهرة" لابن تَغْرِى بَرْدِي ١١: ٨، و"تاج التراجم" لابن قطلوبغا: ٣٠٤ - ٣٠٦ و"حسن المحاضرة" ١: ٣٥٩، و"ذيل تذكرة الحفاظ" ٣٦٥ - ٣٦٦ و"طبقات الحفاظ": ٥٣٨ جميعها للسيوطي، و"مفتاح السعادة" لطاش كبري زاده ١: ٢٦٠، و"كشف الظنون" لحاجى خليفة ١: ٩٨، ٥٤٦، ٢: ٩٥٨، ١٠٠٤، ١٠٠٥، ١٠٨٧، ١١٦٣، ١٥١٠، ١٦٣٧، ١٨٢٣، ١٩١٥، ١٩٩٥، و"شذرات الذهب" لابن العماد ٦: ١٩٧، و"البدر الطالع" للشوكانى ٢: ٣١٢ - ٣١٣، و"إيضاح المكنون" ١: ١٠٣، ٢٤٥، و"هدية العارفين" كلاهما للبغدادي ٢: ٤٦٧ - ٤٦٨، و"الرسالة المستطرفة" للسيد محمد بن جعفر الكتانى: ١١٧ - ١١٨، ١٩٧، ٢٠٨، ٢٠٩، و"الأعلام" للزَّرِكْلي ٧: ٢٧٥، و"معجم المؤلفين" لكحَّالة ١٢: ٣١٣.
1 / 9
الدين، أبو عبد الله، مُغْلَطايُ (١)
(١) "مُغْلَطاي": بضم الميم، وسكون الغين المعجمة، كذا ضبطه الحافظ ابن حجر بالقلم، ونقله عنه الشيخ أحمد العجمي في حواشيه القيمة على "تدريب الراوي" للسيوطي ١١/ أ، وبمثله ضبطه العلامة الزرقاني في شرحه على "المواهب اللدنية" ١: ١٢٧.
وفي ضبطه أوجه أخرى:
- قال أحمد العجمي: "وضبطه الحافظ ابن ناصر بالقلم بفتحها -أي: الغينِ- في منظومته "بديعة البيان" حيث قال:
. . . . . . . ... ذاك مغَلْطايُ فتى قِليج
فيحتمل أن ذلك لضرورة النّظْم" لكنه استدرك قائلًا: "ثم رأيته في غير المنظومة ضبطه كذلك بالفتح".
وعندي صورة من كتاب "بديعة البيان" مع شرحه "التبيان" عن نسخة خطية محفوظة في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت ﵀ بالمدينة المنورة، وفيها الشطر الذي ذكره أحمد العجمي ١٥٦/ ب لكن النسخة غير مضبوطة.
- وذكر أحمد العجمي ﵀ في "حواشيه" ضبطًا ثالثًا: بضم الميم والغين المعجمة: مُغلْطاي، ولم يعزه لأحد، وفي تعليق للأستاذ الزِّرِكْلي في "الأعلام" ٧: ٢٧٦ حول ضبط "مغلطاي" قال: "وفي المتأخرين من جعل حركة الغين ضمة، وجزم بهذا جان سوفاجيه".
- وفي آخر النسخة الخطية من كتابنا هذا ص ٧٢ نقل الأستاذ أحمد خيري =
1 / 10
ابنُ قِلِيجَ (١)
= ﵀ ضبط هذه الكلمات "مغلطاي" و"قليج" و"البكجري" عن أستاذه الشيخ محمد زاهد الكوثري ﵀ إملاء، فقال: "مَغُلْطاي بفتح الميم، وضم الغين المعجمة، وسكون اللام، وفتح الطاء المهملة بعدها ألف، ثم ياء آخر الحروف".
فتحصل مما تقدم أربعة أوجه: مُغْلَطَاي، ومُغَلْطَاي، ومُغُلْطَاي، ومَغُلْطَاي، وفيها وفي مثلها كان يقول العلامة الكوثري: أعجمية فالْعَب بها كيف شئت، إذ لا ضابط فيها إلا نطق أهلها، وكم من حروف وحركات أعجمية تغيرت في العربية.
ومعنى "مُغْلَطاي":
قال الشيخ أحمد العجمي في حواشيه على "تدريب الراوي" ١١/ أ:
"مُغُل: بضمتين، جيل من الناس، وطاي: بمعنى الفرخ، في اللغة التركية القديمة، كذا قيل"، وفي تعليقة الأستاذ أحمد خيري عن شيخه الكوثري: "ومعنى "طاي" بلغة الترك: المُهْرُ".
قلت: وهما متقاربان، فالمُهْرُ: ولد الخيل، والفَرْخُ: ولد الطير، ويكون المعنى: ولد جيل من الناس.
(١) "قِلِيج": "بكسر القاف واللام، وسكون الجيم، علم تركي" نقله الأستاذ أحمد خيري، عن شيخه الكوثري، وأفاد أحمد العجمي في حواشيه على "التدريب" أن الياء ترسم ولا ينطق بها. =
1 / 11
ابن عبد الله البَكْجَريُّ (١)، الحنفيُّ، المصريُّ من أصل تركي، الحِكْريُّ (٢).
= وضبطه الزركلي في "الأعلام" بفتح القاف وكسر اللام: قَلِيج، وذكر في التعليق أنه رآه كذلك مشكولًا في نسخة ابن حجر من "التبيان شرح بديعة البيان".
وما ذكره الزِّرِكْلي عن مطبوعة "النجوم الزاهرة": قليح، بالحاء المهملة: فليس بوجه بل هو من التصحيفات المطبعية، ومثله ما جاء في "لسان الميزان": فليح، بالفاء.
ومعنى "قِلِيج": السيف باللغة التركية، ذكره أحمد العجمي والكوثري، وزاد الثاني: "وتمنع من الصرف للعجمة والعلمية".
(١) "البَكْجَرِي": جاء في تعليقات العلامة الكوثري ﵀ على "لحظ الألحاظ": ١٣٣ نقلًا عن الداودي كما في "ذيل لب اللباب": "بفتح الموحدة وسكون الكاف، وفتح الجيم، ثم راء"، وزاد الأستاذ أحمد خيري عنه: "ويلاحظ نطق الجيم قريبة من الشين المدغم فيها تاء".
ثم قال: "وهي مركبة من "بَكْ". بمعنى: الصُّلْب بالتركية، و"جري" بمعنى: الجندي، فيكون معناها: الجندي الصُّلْب، وربما كان هذا لقبًا لوالده قِلِج -هكذا بدون ياء كما تلفظ-، أو اسمًا لجده".
وما جاء في "لسان الميزان": الكنجري، فهو تصحيف، والله أعلم.
(٢) جاء في "لب اللباب" للسيوطي: "الحِكْري بالكسر والسكون، إلى. . ." وانقطع الكلام. =
1 / 12
إمامُ وقته، وحافظُ عصره، من انتَهتْ رياسةُ الحديث في زمانه إليه رحمه الله تعالى وسائرَ علماء المسلمين.
مولده:
ولد مُغْلَطاي سنة تسع وثمانين وست مئة، وهذا منقول عنه، فقد كان يذكر هذا التاريخ لما يُسأل عن مولده (١).
وذهب السَّلامي إلى أن مولده سنة تسعين وست مئة (٢)، وقارب بين القولين ابن ناصر الدين فقال: "في أواخر سنة تسع وثمانين" (٣).
وبالنظر إلى هذه الأقوال نجدها متقاربة جدًا، ويكون مولده سنة ٦٨٩ هـ كما ذكر هو عن نفسه، لكن ليس أول السنة ولا أثناءها، بل آخرها بحيث لم يبق منها إلا أيامٌ يسيرة فلم يحسُبْها من قال: ولد سنة تسعين، والله أعلم.
= وفي "القاموس" مادة (ح ك ر): "الحُكْرة بالضم: مِخْلاف بالطائف"، والمِخْلاف: الناحية، ونحوه في "مراصد الاطلاع" ١: ٤١٦، ويبعد أن تكون نسبة المترجم إليها، والله أعلم.
(١) "ذيل العبر" ١: ٧١، و"الدرر الكامنة" ٤: ٣٥٢، و"لسان الميزان" ٦: ٧٢، و"لحظ الألحاظ": ١٣٣، و"النجوم الزاهرة" ١١: ٨، و"تاج التراجم": ٣٠٤، وغيرها.
(٢) "الوفيات" ٢: ٢٤٤.
(٣) "التبيان شرح بديعة البيان" ١٠٦ / ب.
1 / 13
وأبعد الصَّفَديُّ فقال: "ولد بعد التسعين وستِّ مئة" (١).
والأول هو الراجح.
طلبه للعلم:
اختصت العناية الإلهية هذا الغلام اليافع، بأن يكون من خدام هذا الدين، ومن وُرَّاث هذا العلم العظيم.
فصرف الله قلبَه عن لعب الصِّبا، ولهو الشباب، حتى صار لا يميل وهو في سن الصبا لأن يلهو مع أقرانه.
وحَبَّب الله إلى قلبه العلمَ الشريف، فصار يستحسنه ويُفَضِّله على كل ما عداه.
ذكر لنا ابن فهد (٢): أن مُغْلَطاي وهو في صِباه، كان أبوه يرسله ليرمي بالنشاب، فيخالفه ويذهب إلى حِلَق أهل العلم فيحضرها.
فكان مخالطةُ حُبِّ العلم لقلبه، وشَغَفُه به، وإخلاصه فيه، من دواعي جِده ودَأبِه.
قال تلميذه الحافظ العراقي: "وكان دائم الاشتغال، منجمعًا عن الناس" (٣).
(١) نقله عنه الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة" ٤: ٣٥٢، وابن فهد في "لحظ الألحاظ": ١٣٣، وغيرهما.
(٢) "لحظ الألحاظ": ١٣٣.
(٣) "الذيل على العبر" ١: ٧٣.
1 / 14