تَرَدَّى ثِيَابَ الْمَوْتِ حُمْرًا، فَمَا أَتَى ... لَهَا اللَّيْلُ إِلَّا وَهْيَ مِنْ سُنْدُسٍ خُضْرُ (١)
فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ (الْحُمْرَةِ، وَالْخُضْرَةِ)، وَقَصَدَ بِالْأَوَّلِ الْكِنَايَةَ عَنِ: الْقَتْلِ، وَبِالثَّانِي الْكِنَايَةَ عَنْ: دُخُوْلِ الْجَنَّةِ (٢).
- وَالثَّانِيْ: كَقَوْلِ الْحَرِيْرِيِّ:
«فَمُذِ اغْبَرَّ الْعَيْشُ الْأَخْضَرُ، وَازْوَرَّ الْمَحْبُوْبُ الْأَصْفَرُ؛ اِسْوَدَّ يَوْمِيَ الْأَبْيَضُ، وَابْيَضَّ فَوْدِيَ الْأَسْوَدُ، حَتَّى رَثَى لِيَ الْعَدُوُّ الْأَزْرَقُ، فَيَا حَبَّذَا الْمَوْتُ الْأَحْمَرُ» (٣)
فَالْمَعْنَى الْقَرِيْبُ لِلْمَحْبُوْبِ الْأَصْفَرِ: إِنْسَانٌ لَهُ صُفْرَةٌ، وَالْبَعِيْدُ: الذَّهَبُ، وَهُوَ الْمُرَادُ هَهُنَا، فَيَكُوْنُ تَوْرِيَةً.
· ويَلحَقُ بالطِّباقِ شيئانِ:
أحدُهما: الجمعُ بينَ معنيينِ يتعلَّقُ أحدُهما بما يقابلُ الآخرَ نوعَ تَعَلُّقٍ، مثلُ السَّببيَّةِ واللُّزومِ؛ نحوُ: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] فإنَّ الرَّحمةَ مُسبَّبَةٌ عن اللِّينِ الَّذي هو ضِدُّ الشِّدَّةِ.
وَالثَّانِي: الْجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ غَيْرِ مُتَقَابِلَيْنِ، عُبِّرَ عَنْهُمَا بِلَفْظَيْنِ يَتَقَابَلُ مَعْنَاهُمَا الْحَقِيْقِيَّانِ؛ نَحْوُ قَوْلِهِ: [الكامل]
(١) لأبي تمَّام في ديوانه ٤/ ٨١، وتحرير التّحبير ص ٥٣٥ - ٣٥١، ونهاية الأرب ٣/ ٢١٦ - ٥/ ٢٠٧ - ٢٧/ ١٧٥، والإيضاح ٦/ ١٢، وإيجاز الطّراز ص ٤١٦، وخزانة الحمويّ ٤/ ١٦٣، ومعاهد التّنصيص ٢/ ١٧٨، وأنوار الرّبيع ٢/ ٤٧.
(٢) من قوله - تعالى- في صفة أهل الجنّة: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]
(٣) مقامات الحريريّ، البغداديّة، ٢/ ١١٤ - ١١٥. الأخضر: النّاعم، الأصفر: الدِّينار، العدوُّ الأزرق: أرادَ به الرُّومَ وهم أعداء العرب، الموت الأحمر: الشّديد. (شرح الشّريشيّ). وهو تدبيجٌ على طريق التّورية، استحسَنه ابنُ أبي الإصبع في التّحرير ص ٥٣٣.