وأما الأمير سيد أحمد فلجأ إلى والي دمشق محمد باشا العظم وبعث إليه من قب إلياس يلتمس منه الولاية على وادي التيم والبقاع، فمنحها له وعززه بعسكر أرسله إليه، وانضم إليه الجانبلاطية فاشتد بذلك عزمه وسار إلى راشيا، فدخلها بعد محاربة جرت له مع الأمير محمد كان النصر له فيها، ثم قصد حاصبيا فأرسل صاحبها الأمير إسماعيل إلى محمد باشا يلتمس منه صد الأمير سيد أحمد عنها، فاستجاب له فرجع الأمير سيد أحمد ومعه الجانبلاطيون إلى قب إلياس، واستناب عنه في راشيا الأمير موسى من أهلها، ثم كتب إليه أخوه الأمير يوسف أن اعتزل الجانبلاطية أصالحك؛ فبدت إذ ذلك للجانبلاطية من حليفهم الأمير علائم النفرة والقطيعة؛ فتنحوا عنه وكتبوا في ذلك إلى محمد باشا، فبعث إليه محمد باشا أن لا يوليه البقاع إلا باتحاده مع الجانبلاطية وكفالتهم له، فأرسل الأمير سيد أحمد يعتذر إليهم عما فرط منه، ووثق عرى الاتحاد معهم فأفضى ذلك إلى محاربة بينه وبين أخيه كان الفوز في غالبها لأخيه الأمير يوسف، وشرع هذا الأمير في التشديد على الجانبلاطية والتضييق عليهم حتى اضطرهم إلى خفض جناح الطاعة واسترضائه عنهم بمبلغ مائة ألف غرش وخمسين ألف، ورضي كذلك عن أخيه الأمير سيد أحمد وخلى له أملاكه، وأمره أن يقيم بالشويفات. ولبث الأمير سيد أحمد في سكينة مع أخيه حتى حدثت فتنة بين أخيه وبين الأمير إسماعيل صاحب حاصبيا، وذلك في سنة 1785، وتحرير الواقع أن الجزار غضب على الأمير إسماعيل لعدم امتثاله أمره في رجل قتل يهوديا أمره أن يقبض على القاتل ويرسله إليه فلم يفعل، فعزل من الولاية على حاصبيا وعهد بها إلى الأمير يوسف، فاستناب الأمير يوسف عنه فيها الشيخ بشيرا النكدي وصادر المعزول في أملاكه، فحضر الأمير إسماعيل بين يدي ابن أخته الأمير يوسف بدير القمر، وجعل يتذلل له ويستعطفه حتى يتجاوز له عن إقطاعه فلم يعطف عليه، فيئس عندئذ ورجع إلى حاصبيا ساخطا منه. وكان الشيخ قاسم جانبلاط قد زين له أن اسع لدى الجزار باستحصال الولاية على لبنان ومرج عيون بثلاثمائة ألف غرش وأنا شريك لك في عهدك إلى الجزار، فكتب الأمير إسماعيل إلى الجزار في ذلك؛ فاستجاب له الجزار إذ استقدمه إليه ووعده بالولاية على أن يكون أحد الأمراء الشهابيين شريكا له فيها، فبعث الشيخ قاسم إلى الأمير سيد أحمد يدعوه إلى مشاركة الأمير إسماعيل؛ فقبل بطيبة نفس.
وكفل الشيخ قاسم للجزار المبلغ المتفق عليه، أما الجزار فأرسل إلى الأمير يوسف يخبره بذلك، حتى إذا ما قبل هو أن يؤدي ذلك المبلغ أبقاه واليا، فاستمثل الأمير يوسف أعيان البلاد لديه، وشاورهم في الأمر فأشاروا عليه بأداء المبلغ إلا الشيخ فإنه استكمالا للمكيدة أفسد رأي القوم، وأقنع الأمير بوجوب المقاتلة فجرت بين عساكر الجزار الآخذة بنصرة الأمير إسماعيل وبين عساكر الأمير يوسف ومعها مدبر الأمير الشيخ سعد وعليها الأمير فارس يونس، ومعه من أمراء حاصبيا الأمير أسعد والأمير قاسم ابنا الأمير سليمان أخي الأمير إسماعيل وقائع كبيرة كان النصر فيها لعساكر الأمير يوسف، وأما الأمير إسماعيل فولى بعساكره إلى صيدا، ولما حضر بين يدي الجزار جعل الجزار يسأله عن الشيخ قاسم كيف سألني من جهة أن أوليك ومن جهة أخرى كانت له في محاربة عساكري الباع الطولى، فاعتذر الأمير إسماعيل واستأذن الجزار أن يستحضر الأمير سيد أحمد على علم من الشيخ قاسم فأذن له، فاستشار الأمير سيد أحمد الشيخ قاسما في المثول لدى الجزار فأشار عليه به، فسار الأمير من الشويفات إلى بيروت ومنها إلى صيدا بحرا، فرحب الجزار به وأكرم مثواه، ثم بدت خيانة الشيخ قاسم للأمير يوسف؛ إذ خرج الجانبلاطيون من عسكر الأمير حتى لا يعاونوا على القتال، فرجع المدبر الشيخ سعد والأمراء بالعسكر إلى دير القمر، فغضب الأمير يوسف من الشيخ قاسم لخيانته إياه، وأما وجوه البلاد فنصحوا للأمير يوسف أن يخفف عنه غضب الجزار، فيبرح من دير القمر ولو إلى ما يبعد ساعة عنها، فغادر الأمير الدير إلى كفر قطرا، ثم سار إلى المتين فبعث الوجوه إلى الجزار يكشفون له واقع الحال ويلتمسون منه أن يولي عليهم الأمير سيد أحمد والأمير إسماعيل فولاهما، وكتب إلى الشيخ قاسم جانبلاط أن يشد أزرهما فكان ذلك، وأما الأمير يوسف فولى هاربا من المتين إلى بسكنتا، وولى الأمير إسماعيل على راشيا الأمير فارسا الكبير، ثم عاد الأميران يتعقبان الأمير يوسف بعد أن عرض عليه أحدهما الأمير إسماعيل أن يكون واليا في ظله على جبيل، فأبى واستكبر، فعزما على إخراجه من الجبل ففر إلى جبال عكار، وبعث إلى الجزار يسترضيه عليه ويسأله أن يلطف به، وكان الأميران قد بعثا إلى الجزار يلتمسان منه أن يعززهما بعسكر من عنده ليستطيعا جباية الأموال الأميرية؛ لأن أهل البلاد تمردوا عليهما وأبوا أداء الأموال، فبعث الجزار إلى الأمير يوسف يمنحه الأمان ويسترجعه إلى البلاد كما كان، فرجع الأمير ووفد على الجزار وهو ببيروت؛ فأكرم الوزير وفادته.
ثم سار الوزير ومعه الأمير إلى عكة بحرا، وأما مدبر الأمير الشيخ سعد فسار بجماعة الأمير إليها برا، وبعث الأميران سيد أحمد وإسماعيل إلى الجزار يزينان له قتل الأمير يوسف على أن يدفعا إليه خمسمائة ألف غرش، وكتبا في ذلك إليه كتابا سيرا به شيخا من المغضوب عليهم عند الأمير يوسف الشيخ محمد القاضي، فأجابهما الجزار أن يقضي لهما حاجتهما، فارتاحت نفساهما إلى الوعد وسارا إلى دير القمر، وشرعا في جباية تلك الضريبة، ولكن لما بلغ الشيخ سعدا مدبر الأمير يوسف عكة عهد إلى الجزار أن يؤدي ضريبة قدرها ألف ألف غرش في مدى ثلاثة شهور على أن ينجز الجزار ما وعد فيرجع زمام الولاية إلى يد الأمير يوسف فكان له ذلك، فأعيدت الولاية إلى الأمير وعزز بعسكر كبير من عساكر الجزار، وبقي الشيخ سعد عند الوزير رهنا على المال الذي ضرب، فقدم الأمير يوسف في عسكره ومعه الأمير أسعد والأمير محمد، وهما خصما الأمير إسماعيل، فولى أحدهما أسعد على حاصبيا، وأوعز إليه أن يلقي القبض على الأمير بشير وأن يضبط ماله ومال الأمير إسماعيل والآخر على راشيا وأن يلقي القبض على الأمير فارس الكبير ويضبط ماله.
أما الأمير بشير ففر هاربا ونجا، وأما الأمير فارس فوقع في يد الأمير محمد، وسار الأمير يوسف ليل نهار حتى بلغ دير القمر فدخلها بغتة فلم تبل يده إلا بالأمير إسماعيل الذي تعذر عليه ما تمكن منه رفيقه الأمير سيد أحمد من الفرار، فساقه إلى السجن هو وخمسمائة من أتباعه، وقتل خمسة من خدامه، وأمسك الأمير عثمان ابن الأمير فارس الكبير واستحضر إليه الشيخ محمد القاضي الذي كان قد اختبأ عند الشيخ كليب النكدي وزجه في السجن، ثم سمل عينيه وقطع لسانه وبعدئذ خلى سبيله، وصادر الجانبلاطية بكثير من أموالهم وسلب كثيرا من أموال مشايعي الأميرين، وشدد العقوبة على كل خصومه؛ فانخلعت القلوب خوفا منه، وشفع الأمير حسن عمر لديه للأمير بشير أخي الأمير يوسف؛ لأنه كان من المشايعين للأمير سيد أحمد، فقبلت شفاعته، فرضي عنه الأمير يوسف وجعله من المقربين عنده، وجعل الشيخ غندورا مدبرا له في مكان أبيه الشيخ سعد. وفي سنة 1788 قضى الأمير إسماعيل وهو في السجن، وقيل إن ابن أخته الأمير يوسف خنقه، وأخفى أمره ثلاثة أشهر حتى لا يغضب الجزار؛ لأنه كان قد أوصاه أن يبقي عليه، ولما طال بالأمير سيد أحمد ضيق الحال لجأ إلى زوج أخيه الأمير يوسف بصليما، فاسترضت الأمير عنه فرضي ورد له عقاراته وأمره أن يقيم ببجمدون، ولما سار الجزار إلى دمشق لاستلام زمام الولاية عليها أخذ معه مدبر الأمير الشيخ سعدا، وجعله في القلعة حتى رجع هو من الحج، فالتمس منه الشيخ أن يخلي سبيله لمرض عضال أصابه، فاستجاب له وبعث به إلى دياره مكرما، وقد خان الأمير يوسف عهده إلى أبناء الشيخ علي الصغير، فسخا بهم حتى قتلوا بأمر الجزار، كما أنه خان وعده للأمير بشير نجم أيضا؛ إذ بعث إلى هذا الأمير وهو فار من وجهه إلى دمشق يعده بالأمان إن عاد إلى دير القمر، فلما عاد قتله وقتل مدبره وسلب أموالهما، ولم يكتف بذلك بل عاد وسمل عيني أخيه الأمير سيد أحمد وأرسله إلى عبيه.
ولما كانت سنة 1788 حصلت نفرة بين الأمير والجزار بسبب امتناع الأمير عن أداء بقية من الضريبة التي كان قد عين مقدارها ألف ألف غرش، كما ورد ذكر ذلك في مكانه، فآل الأمر بينهما إلى المحاربة، فحشد الجزار العساكر وسيرها إلى خان حاصبيا وعليها مملوكه سليم باشا، فخانه هذا المملوك وانضمت إليه بقية المماليك، ووافقه على الخيانة سليمان باشا مملوك الجزار أيضا وعامله على مدينة صيدا، فزينت لهما نفساهما استلاب الولاية من يد الجزار؛ فكتبا في ذلك إلى جميع العمال، فكان في جملة المكتوب إليهم: الأمير يوسف. فسر هذا الأمير بذلك، وبعث إليهما يعدهما بشد أزرهما، فتماديا في الأمر وغشيا عكة برجالهما يحصرانها؛ فدهمهما الجزار بجنوده وبدد شمل أعدائه، فلجأ سليمان باشا إلى دير القمر عند الأمير يوسف، وعاد الجزار وقد علم وجوه المكيدة إلى الانتقام من الأمير، فجهز عسكرا وسيره لمحاربة الأمير، فقابله الأمير بمثل ذلك.
ووقعت بين الفريقين عدة من الوقائع كان النصر فيها في غالب الأحيان للجزار؛ فضعفت عند ذلك عزيمة الأمير وكثر خذلان القوم له، وجعل الجانبلاطيون ينقمون عليه الوهن ويشيعون ذلك بين الناس، وتوفي حينئذ الأمير إسماعيل اللمعي والشيخ كليب النكدي، وهما من أركان قوته، فرأى الأمير بعد ذلك كله أن يتنحى عن مقام الولاية؛ فجمع أعيان البلاد ووجوهها وكاشفهم فيما نوى أن يأتيه من التنازل عن الولاية لمن يقع اختيارهم عليه من الأمراء الشهابيين اللبنانيين؛ فتشاوروا في ذلك بينهم، ووقع اختيارهم على الأمير بشير ابن الأمير قاسم عمر، ولا شك في أن اختيارهم هذا دال على معرفتهم لأحوال الرجال وقدرهم أوصاف الرجولية حق قدرها؛ فإن الأمير الذي اختاروه واليا عليهم لا يقرأ أحد من العارفين المحققين والناظرين المدققين سيرته ويتأمل أخلاقه ومآتيه في الحكم إلا ويمتلئ قلبه مهابة ووقارا وإجلالا له، ويحسبه عنوانا للفضيلة وأنموذجا للطهارة والعفاف وقدوة للعدل والإنصاف، وإن كان في بعض مآتيه في الحكم ما لا يوافق ذوق أهل هذا العصر، فإن لكل زمان دولة ورجالا، فلو وجد الأمير في هذا العصر لكان فريده مثلما كان فريد عصره لتدرعه من صفات الرجولية بدرع حقائق تعصم من الشر في كل عصر، والحقائق بسائط جواهرها لا تتجزأ وإن اختلفت مظاهرها، فالعدل في حالة الاستبداد والعدل في حال الشورى سواء، ولكن العصمة من الخطا في طرق المعدلة إنما هي التي تختلف في الحالين. وبالجملة، فإننا نكل الحكم في أعمال الأمير التي نحن آتون الآن على ذكرها لأصحاب الذوق السليم من مطالعي هذا الكتاب.
مال الناس إلى هذا الأمير وارتاحت نفوسهم إلى إلقاء مقاليد زمام أمرهم إليه، وكان الجزار يميل في الباطل إليه وكثيرا ما أسر إليه رغبته في توليته، وكان بين هذا الأمير وبين الجانبلاطيين رابطة عهود ومواثيق، فالأمير يوسف استحضره لديه وأوعز إليه أن سر يا ابني إلى الجزار، وتقلد الولاية من يده، والبس خلعتها. فأجابه الأمير بشير - فيما حكي عنه: «إنني أخاف أن أسير إلى عكة وأنا ابنك، ثم أرجع منها وأنا ابن الجزار.»
فسار الأمير إلى عكة في شهر أيلول وعمره يومئذ لا يتجاوز إحدى وعشرين سنة، ومدبره كان رجلا مارونيا اسمه فارس ناصيف، فرحب به الجزار ودفع إليه زمام الولاية على جبل الشوف وكسروان، وخلع عليه خلعتها، ثم أرجعه معززا بجنود من عنده يبلغون ألف رجل من المغاربة والأرناووط، وأوصاه بطرد الأمير يوسف من البلاد وإرجاع ابني الأمير سيد أحمد، فلما بلغ صيدا خرج الأمير يوسف من دير القمر ومعه أخوه الأمير حيدر والأمير حيدر أحمد والأمير حسن علي والأمير أسعد سليمان وبعض من أرباب المناصب ومضى بهم إلى بيصور، أما الأمير بشير فلما سار إلى دير القمر لاقاه الشيخ قاسم جانبلاط زعيم الفئة الجانبلاطية والشيخ عبد السلام العماد زعيم العمادية في ذوي قرباهما والمشايخ بنو نكد وبعض الوجوه والأعيان، فعندئذ انتقل الأمير يوسف بأصحابه إلى عاليه فحمانا فالمتين، وإذ ورد على الأمير بشير من الجزار أمر قاض بإخراج الأمير يوسف من جميع نطاق البلاد بعث الأمير بشير إلى الأمير يوسف يخبره بذلك ويقول له أن ينهض إلى جرد كسروان، فسار إلى بسكنتا ومن ثم إلى وطا الجوز، وأما الأمير بشير فزحف بعسكره إلى بوارش، فعند ذلك بعث المتنيون إلى الأمير يوسف يزينون له أن يقدم إليهم وأنهم يعهدون إليه أن يخلعوا الأمير بشيرا من الولاية، فرجع إليهم مغترا بعهدهم.
فلما بلغ الأمير بشير المجدل وفد عليه غالب المتنيين، فبعث إلى الأمير يوسف أن ينتقل إلى بلاد جبيل وإلا فيضطر أن يسلك في طرده سبيل الشدة والعنف قياما بأمر الجزار، فانقاد الأمير يوسف ومضى إلى جرد كسروان ثم إلى العاقورة، ولما بلغ الأمير بشير وطا الجوز انتقل الأمير يوسف من العاقورة إلى لحفد، فسار الأمير بشير في أثره إلى لحفد كل ذلك وهو يحذره من كل محل يحله، حتى إن بعضا من أرباب المناصب سعوا إلى الجزار فيه بأنه متفق معه وأغضبوا الجزار بتلك السعاية؛ فجهز عسكرا وكتب الأمير بشير إلى الجزار حينئذ أن يمده بعسكر من عنده، أما الأمير يوسف فلما رأى من الأمير بشير ضغطا شديدا عليه عزم على المقاومة، فاستمال إليه الأشياخ الحمادية وأشياخ جبة بشرة، فانضموا برجالهم إلى عسكره وسار الكل إلى وادي الميحان ليصدوا الأمير بشيرا وعسكره عن التقدم، فأكمنوا في بطن الوادي حتى بلغتهم طليعة جيش الأمير بشير، فانقضوا عليها انقضاض الصواعق، فقتلوا منها مائة رجل وولى الباقون الأدبار حتى بلغوا الأمير بشيرا، فحمل بهم وببقية الجيش على أعدائه وسيفه بيمينه مسلول حملة الأسود، فكسرهم كسرة عظيمة، وقتل من زعمائهم الشيخ أبا دعيبس جانبلاط وشيخ أهدن الشيخ يوسف بولس الدويهي وعددا كبيرا من الرجال، فولى الأمير يوسف بمن بقي معه إلى أهدن.
وظل الأمير بشيرا سائرا في طريقه إلى لحفد وبعث بالرءوس التي اجتزها من رجال الأمير يوسف إلى الجزار، فأيقن الجزار كذب الوشاة وأمد الأمير بألف فارس إلى البترون، وسار الأمير يوسف من أهدن إلى أنحاء بعلبك؛ إذ بلغه من متسلم طرابلس أنه مأمور بالزحف عليه إلى أهدن، ولما بلغ الأمير يوسف بعض الطريق ورد عليه رسول من الأمير جهجاه الحرفوش يقول له أن يتحول عن تلك الأنحاء، فانبرى من بين قوم الأمير فارس الشدياق بينما كان الأمير وحاشيته يتأملون فيما عسى أن يجيبوا الأمير جهجاه الحرفوش، واندفع على الرسول بضربة بعصاه، ثم قال له: «قل لمولاك: ومن هو حتى يعترض الأمير في طريقه؟! وقل له: إما أن يغادر البلاد وإما أن تفاجئه رجال الأمير.» فلما بلغ الأمير الحرفوشي ذلك فر إلى الأنحاء الشرقية، فنزل الأمير يوسف بقرية طاريا، ثم أقام بإحدى قرى دمشق، ورجع الأمير بشير إلى دير القمر، وعنف أصحاب الأمير يوسف وصادرهم بأموالهم، وقتل الجزار الشيخ محمد القاضي عندما مثل لديه ليستعطفه على الأمير يوسف مدفوعا إلى ذلك من الشيخ غندور الخوري، ووهب الأمير يوسف أخاه الأمير حيدر نصف بعبدا ونصف طاحون القناطر ، ولما كانت سنة 1789 بعث والي دمشق إبراهيم باشا، وكان قد رجع من الحج إلى والي طرابلس درويش حسن باشا أن يولي الأمير يوسف بلاد جبيل ففعل، فكتب الأمير بشير في ذلك إلى الجزار فأمره الجزار بطرد الأمير يوسف من بلاد جبيل وأمده لذلك بعسكر من عنده، ففر الأمير يوسف إلى الكرك ثم إلى الزبدانة، وجعل فارس الشدياق مدبرا له بدلا من الشيخ غندور الذي كان قد فر هاربا إلى الضنية من وجه الأمير بشير واختبأ في إحدى قراها، ثم أرسل الأمير يوسف مدبره الجديد إلى دمشق وكيلا عنه وذهب هو إلى حوران، ثم كتب من هناك إلى الجزار يلتمس منه الأمان ويستأذنه في المثول لديه بعكة، وفي تلك الأيام سأل الأمير قاسم الحرفوش الأمير بشيرا أن يخلع ابن عمه الأمير جهجاه الحرفوش ويجعله في مكانه؛ فاستجاب سؤاله وعززه بعسكر من عنده سيره إلى زحلة وأمر أهلها أن يكونوا مع العسكر يدا واحدة على الأمير جهجاه، وأمر أيضا الأمراء اللمعيين أن ينضموا برجالهم إلى الزحليين فكان كذلك، فانتشب الحرب بين الأمير قاسم والأمير جهجاه الحرفوشيين في أرض أبلح، فانتصر الأمير جهجاه على أعدائه فسلب خيلهم وأسلحتهم، وأما الأمير مراد شديد اللمعي الذي أسر في تلك الواقعة فأمر له برد سلاحه وجواده وأكرمه.
Página desconocida