75
وننتقل إلى «الحرية» التي يوصف بها سلوك الإنسان الإرادي دون سلوك الأشياء المادية، فنسأل: ماذا يراد بهذه الكلمة؟ يقينا أن القائلين بها لا يقصدون أن أفعال الإنسان لا يربطها رباط بدوافعه وميوله وظروفه، بحيث تجيء وكأنما هي لا تتبع تلك الدوافع والميول والظروف على نحو فيه درجة معلومة من الاطراد؛ لأن الرابطة بين الجانبين أمر معترف به متفق عليه؛ لكنهم يقصدون ب «الحرية» هنا أن الدوافع والميول والظروف المحيطة قد تكون كلها قائمة، ومع ذلك فالإنسان قادر على أن يتصرف وفقها كما أنه قادر على أن يمسك عن مثل هذا التصرف؛ أو بعبارة أخرى، إنهم يقصدون بحرية الإرادة أن الظروف المحيطة كلها قد تكون قائمة، لكن لدى الإنسان قدرة بعد ذلك على أن ينشط وعلى أن يظل ساكنا، فله أن يختار بين الحركة والسكون؛ فإذا كان هذا ما يقصدونه، فليس هناك من يخالفهم في هذا المعنى، فما لم يكن الإنسان سجينا مغلولا بالقيود، فله أن يختار في كل ظرف بين حركته وسكونه؛ ولكن السؤال المهم هنا هو: على أي صورة يتحرك إذا ما تحرك؟ الجواب الصحيح هو أنه يتحرك على نفس الصورة التي ألفنا الناس يتحركون بها في مثل هذه الظروف القائمة.
76 (5) المكان والزمان
مهما يكن الموضوع الخاص الذي يضعه هيوم موضع البحث والتحليل، فهو دائما يرتد إلى الأساس العام الذي جعله مبدأ لفلسفته كلها، والذي بسطناه للقارئ في الفصل الأول من هذا الكتاب، ومؤداه أن معرفة الإنسان مستمدة كلها من الانطباعات التي تنطبع بها حواسه الخارجية وحواسه الداخلية، فطالما كان مصدر الانطباع قائما أمام الحس، لبثت الحاسة منطبعة بأثره عليها، حتى إذا ما توارى ذلك المصدر ولم يعد قائما أمام الحس؛ بقيت صورة الانطباع في الذهن نسخة من أصلها، لا تختلف عنه إلا في درجة الوضوح، وهذه الصورة الذهنية التي تتخلف من الانطباع الحسي المباشر هي ما يسمى ب «الفكرة»؛ وإذن فكل أفكارنا ينبغي أن تكون صورا لأصول حسية، غير أن هذه الأفكار لا تظل في رءوسنا بسيطة فرادى كما جاءت أول الأمر، بل يمتزج بعضها ببعض ويتألف منها أفكار مركبة، فإذا أردنا أن نختبر أية فكرة من هذه الأفكار المركبة لنرى مدى مشروعيتها، كان لزاما علينا أن نحلها إلى الأفكار البسيطة التي منها تركبت، ثم نرى إن كانت هذه الأفكار البسيطة كلها مصورات لانطباعات حسية انطبعت بها حواسنا أم أن بينها أفكارا بغير أصل حسي، فإن استطعنا ردها جميعا إلى أصولها الحسية كانت فكرة مشروعة ذات معنى، وإلا فهي مختلقة لا تقوم على أساس سليم ... وإذن فلنطبق هذا المبدأ نفسه على فكرتي المكان والزمان.
يحلل هيوم فكرتي المكان والزمان، فينتهي به التحليل إلى أنهما لا يشيران إلى انطباعات حسية مستقلة بذاتها، أي إنه ليس بين انطباعاتنا الحسية انطباع تلقته الحواس عن شيء اسمه «مكان» أو انطباع تلقته الحواس عن شيء اسمه «زمان»، لكن كلمتي «المكان» و«الزمان» تشيران إلى طريقة ترتيب الانطباعات الأخرى ، و«طريقة الترتيب» ليست بالطبع واحدة من الانطباعات التي تخضع لهذا الترتيب، فكما ترتب مجموعة من الكتب - مثلا - على «طريقة» معلومة دون أن تكون «طريقة ترتيب» الكتب كتابا آخر يضاف إلى الكتب المرتبة، فكذلك «المكان» و«الزمان» طريقتان لترتيب انطباعاتنا الحسية؛ أما «المكان» فهو اسم نطلقه على طريقة ترتيبنا لانطباعاتنا التي انطبعت بها حاستا الرؤية واللمس؛ وأما «الزمان» فهو كذلك اسم نطلقه على طريقة ترتيبنا لانطباعاتنا الحسية، ولا يقتصر الأمر هذه المرة على نوعين فقط، هما انطباعات الرؤية وانطباعات اللمس، كما هي الحال في «المكان»، بل يجاوز ذلك ليشمل جميع انطباعاتنا الحسية، سواء كانت الحاسة المنطبعة خارجية أو داخلية.
وهاك ما يقوله هيوم
77
في تحليل فكرة «المكان»:
إنني إذا ما فتحت عيني ووجهتما نحو الأشياء المحيطة بي، أدركت بهما مرئيات كثيرة، فإذا ما أقفلتهما وتأملت المسافة التي تفصل هذه المرئيات حصلت على فكرة الامتداد؛ ولما كانت كل فكرة مستمدة من انطباع معين على الحس بحيث تكون الفكرة على أتم شبه بالانطباع الذي منه استمدت، كان لزاما أن تكون الانطباعات المشابهة لفكرة الامتداد إما إحساسات جاءتنا عن طريق البصر، أو انطباعات داخلية نشأت عن تلك الإحساسات.
وما انطباعاتنا الداخلية إلا عواطفنا وانفعالاتنا ورغباتنا أو نفورنا؛ ولست أظن أن أية واحدة من هذه الانطباعات الداخلية يمكن أن يقال عنها إنها النموذج الذي جاءت فكرة «المكان» على غراره؛ وإذن فلا يبقى أمامنا إلا انطباعات الحواس الظاهرة، فهي التي يمكن أن تمدنا بفكرة «المكان»؛ فأي الانطباعات الحسية يصلح أن يكون مصدرا لهذه الفكرة؟ هذا هو السؤال الرئيسي الذي إذا أجبنا عنه جوابا صحيحا، جاء الجواب حلا حاسما يوضح طبيعة فكرة «المكان».
Página desconocida