Cumdat Kuttab

عمدة الكتاب

Editor

بسام عبد الوهاب الجابي

Editorial

دار ابن حزم

Edición

الأولى ١٤٢٥ هـ

Año de publicación

٢٠٠٤ م

Ubicación del editor

الجفان والجابي للطباعة والنشر

Regiones
Egipto
•
Imperios y Eras
Ikshídidas
عمدة الكتاب
لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس
المتوفى سنة ٣٣٨ هـ
بعناية
بسام عبد الوهاب الجابي
دار ابن حزم - الجفان والجابي للطباعة والنشر
الطبعة الأولى
١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م

Página desconocida

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه الثقة
قال أبو جعفر أحمد بن محمد النحوي:
١- الحمد لله الواحد المجيد، القوي الشديد، المبدئ المعيد؛ ذي العزة والسلطان، والرحمة والامتنان؛ الذي تواضع كل شيء لعظمته، واستسلم الخلق لقدرته؛ أحمده على النعماء، وأشكره على الشدة والرخاء؛ مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قديرٌ؛ الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم؛ وصلى الله على محمدٍ عبده المرسل بالحجة والبرهان، والنور والفرقان؛ داعيًا إلى الحق وشاهدًا على الخلق، وعلى آل محمدٍ وسلم تسليمًا.
٢- فلم يزل صلى الله عليه يصدع بما أمر به ويجاهد في سبيله محتسبًا صابرًا، يحض على الطاعة والعلم كما حدثنا أبو سعدٍ محمد بن يحيى، يعرف بالرهاوي، قال: حدثنا أبو فروة يزيد بن محمد بن يزيد بن سنان، قال: حدثني، أبي، عن أبيه، قال: حدثنا زيد بن أبي أنيسة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، قال: أتيت صفوان بن عسالٍ المرادي، فقال لي: ما أقدمك؟ قلت: التماس العلم؛ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يصنع» وذكر الحديث.

1 / 27

٣- قال أبو جعفر: ومن العلم صناعة الكتاب، وقد وهم من زعم أن أحكام الكتابة مباينةٌ لأحكام الشريعة، لأن ذلك مخالفٌ لما يوجبه الدين والعقل، لأن الكتابة فرعٌ من فروع الشريعة، والشريعة أصلٌ، والكتابة سياسةٌ للملك، والملك لا قوام له إلا بالدين، فقد تبين أن الكتابة فرعٌ من فروع الدين، وما كان فرعًا لشيءٍ لم يباينه، وأحكام الكتابة ملائمةٌ لأحكام الشريعة. والدليل على ذلك أن مسلمًا لو أحيا أرضًا مواتًا كان حكم الفقيه والكاتب فيها سواءً؛ وكذلك في ما يخرج من الزكاة من العشر ونصف العشر، وكذا حكم الصدقات من الإبل والبقرة والغنم، وكذا الحكم في الركاز والفيء والغنائم. وقد ألزم بعض الناس الكاتب أشياء يعجز عنها، وترك أشياء يحتاج إليها، وإنما أدوات الكتابة: الخط، والبلاغة، والعلم بترتيب أعمال الدواوين، والخبرة بمجاري الأعمال، والدربة بوجوه استخراج الأموال مما يحل ويسع. فهذه الآلات ليس لواحدٍ منها حيزٌ بذاته ولا انفرادٌ باسمه يخصه، وإنما هو جزءٌ من الكتابة وداخلٌ في أركانها.
٤- فأما الفقه والفرائض وصناعة الحساب والعلم بالنحو، فكل واحدٍ منها منفردٌ على حدته وإن كان الكاتب محتاجًا إلى أشياء منها، نحو ما يكتب بالألف والياء وإلى شيءٍ من المقصور والمدود.

1 / 28

٥- ولو كلف الكاتب ما ذكره من ذكره لجعل الأصعب طريقًا إلى الأسهل، والأشق مفتاحًا للأهون؛ وفي طباع الناس النفار عن ما ألزمهم من جميع هذه الأشياء. على أن بعض الناس قد ترك كل ما قال وأغفل كل ما يحتاج إليه، وجهل ما يجب عليه، حتى صار يعيب العلم وأهله، ويستصغر الأدب وأصله، وهذا كما حكى ابن الأعرابي أن العرب تقول: من أمل رجلًا هابه، ومن جهل شيئًا عابه.
٦- قال أبو جعفر: وهو في هذا الفعل مخالفٌ لله ﷿ ولرسوله ﷺ وللصحابة ﵃ وللتابعين ﵏ والحكماء.
قال الله جل وعز: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، وقال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾، وقال جل ذكره: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾، وقال ﷿: ﴿وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ .
٧- وقرئ على عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، عن شريك بن سعيدٍ، قال: حدثنا أبو بكر ابن عياش، عن سعيد بن عبد الكريم، عن أبي عمار، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ قال: «طلب العلم فريضةٌ على كل مسلمٍ، وطالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر» .
٨- قال: وحدثني شريكٌ قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر،

1 / 29

قال: «إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى العلم حتى يكون لله» .
٩- وحدثني محمد بن أيوب بن حبيب، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا سفيان [الثوري]، عن حبيب ابن أبي ثابت: «طلبت هذا العلم زمانًا وما أريد به الله، فنفعني الله به بعد» .
١٠- وحدثني محمد بن أيوب، قال: حدثنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إسحاق الأنصاري، قال: حدثنا مسعر بن كدام، وروي عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «من غدا يطلب العلم صلت عليه الملائكة، وبورك له في معيشته، ولم ينتقص في رزقه، وكان مباركًا عليه» .
١١- قال أبو جعفرٍ: ولو كان من لا يحسن يمسك عن الطعن على من يحسن لكان أقرب لعذره كما قرئ على علي بن سعيد بن بشير، عن أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: حدثنا محمد بن منصورٍ؟؟؟ قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، أنه قال: كفى بك شرًا أن لا تكون صالحًا وتطعن على الصالحين، وكفى بك خائنًا أن لا تكون خائنًا وأنت أمينٌ للخائنين.
١٢- ويروى عن أبي الدرداء، قال: اطلبوا العلم، فإن عجزتم عنه

1 / 30

فأحبوا أهله، فإن لم تحبوهم فلا تبغضوهم.
١٣- قال أبو جعفر: ولو لم يلحق من فعل هذا إلا أنه ينسب به إلى الجهل الذي يغضب منه كل أحدٍ ويكون من الهمج الرعاع كما قال عليٌ صلى الله عليه: الناس ثلاثةٌ: عالمٌ ربانيٌ، ومتعلمٌ على سبيل نجاةٍ، وهمجٌ رعاعٌ.
والهمج: البعوض، أي: هو بمنزلة البهائم.
١٤- حدثنا محمد بن الحسن البخاري، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن صالح، قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن عرعرة، قال: حدثنا عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري، قال: حدثنا سفيان، عن الأوزاعي، عن كثير بن قيسٍ، عن يزيد بن سمرة، عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لرضاها بما يصنع، وإنه تستغفر له دواب الأرض حتى الحيتان في البحر، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظٍ وافرٍ» .

1 / 31

١٥- قرئ على أحمد بن سعيد الدمشقي، عن إسماعيل بن يحيى المزني في فضل العلم، قال: وإنه قال صلى الله عليه: «يقال يوم القيامة للعابد: ادخل الجنة، ويقال للعالم: قف واشفع لمن شئت» .
١٦- وقال ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجلٌ آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويعلمها» .
١٧- وقال صلى الله عليه: «من دل على خيرٍ فله مثل أجر فاعله» .
١٨- وقال ﷺ: «العالم والمتعلم كهذه من هذه -وجمع بين أصبيعه السبابة والتي تليها- شريكان في الأجر، ولا خير في سائر الناس» .
١٩- وقال ﷺ: «اغد عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا أو محبًا لذلك، ولا تكن الخامس فتهلك» .
٢٠- وقال ﷺ: «رددوا المسائل فإن أجر آخرها كأجر أولها» .
٢١- وعن عيسى ﷺ قال: «لا تلق اللؤلؤ إلى الخنزير فإنه لا يصنع به شيئًا، ولا تعط الحكمة من لا يريدها فإن الحكمة خيرٌ من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شرٌ من الخنزير» .

1 / 32

قال المزني: في هذا الحديث معنيان؛ أحدهما: أدبٌ والآخر تمثيلٌ.
٢٢- وعن عمر ﵁ أنه قال: من رق وجهه رق علمه.
٢٣- وعن علي صلى الله عليه [كذا] أنه قال: تعلموا العلم، فإذا تعلمتموه فاكظموا عليه، ولا تخلطوه بضحكٍ ولا بلعبٍ فتمجه القلوب.
٢٤- حدثنا ابن عناز [أو غسان؟؟]، قال: حدثنا أبو الظاهر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت سفيان يقول في هذه الآية: ﴿وجعلني مباركًا أين ما كنت﴾ قال: معلم الخير.
٢٥- وقال إبراهيم: «لا يتعلم مستكبرٌ ولا مستحٍ» .
٢٦- وقال رجاء بن حيوة: يقال ما أحسن الإسلام ويزينه الإيمان، وما أحسن الإيمان ويزينه التقوى، وما أحسن التقوى ويزينه العلم، وما أحسن العلم ويزنه الحلم، وما أحسن الحلم ويزينه الرفق.
٢٧- وكان عبد الله بن عباس يقول: لصوت فقيهٍ -أو قال عالمٍ- أثقل على إبليس من مئة عابدٍ.
٢٨- وقال مالك بن أنسٍ: إن العلم ليس بكثرة الرواية، إنما العلم نورٌ يجعله الله في القلوب.
٢٩- وروى مالك بن أنسٍ أن عيسى صلى الله عليه قال: «تأتي أمة

1 / 33

محمدٍ صلى الله عليه علماء حكماء كأنهم من الفقه أنبياء» قال مالكٌ: وأراهم صدر هذه الأمة.
٣٠- قال مالكٌ: إن حقًا على من طلب العلم أن يكون فيه وقارٌ وسكينةٌ وخشيةٌ، وأن يكون متبعًا لأثر من مضى قبله.
٣١- قال أبو جعفرٍ: وقد صار أكثر من مضى يطعن على متعلمي العربية جهلًا وتعديًا، حتى إنهم يحتجون بما يزعمون أن القاسم بن مخيمرة قال: النحو أوله شغلٌ وآخره بغيٌ.
ويحتجون بقول النبي ﷺ: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا» .
وبقول الله: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ .
والمحتج بما ذكرنا جاهلٌ بكتاب الله، غالطٌ في معنى حديث رسول الله ﷺ، لأن الله جل ثناؤه قال: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ الآية مستثناةٌ.
والحديث: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا» قال الشعبي: معناه: من الشعر الذي هجي به النبي ﷺ.
ويروى هذا عن عائشة ﵂.
وفيه تأويلٌ آخر، وهو اختيار أبي عبيدٍ، أن معنى امتلاء جوفه من الشعر أن يغلب عليه حتى لا يكون فيه فضلٌ لقراءة القرآن ولا لذكر الله، فأما من كان ناظرًا في القرآن والذكر فلم يمتلئ جوفه شعرًا.

1 / 34

ولولم يكن في هذه الآية إلا قول النبي ﷺ: «إن من الشعر حكمةً» . وقوله لحسان: «يا حسان! أجب عن رسول الله، اللهم أيده بروح القدس» . لكان فيه كفايةٌ.
٣٢- وقد سمع النبي ﷺ الشعر واستحسنه وأثاب قائله، وكذا الصحبة والتابعون، واستشهدوا به في كتاب الله، منهم ابن عباس كما روى أبو داود الطيالسي عن مسمع قال: سمعت عكرمة قال: كان ابن عباس إذا سئل عن شيءٍ من أمر القرآن أنشد فيه شعرًا من أشعارهم.
٣٣- وأما قول القاسم بن مخيمرة، فإن صح فإنه مخالفٌ لقول النبي ﷺ وأصحابه وتابعيه، وما كان كذلك لم يجز لمسلمٍ أن يحتج به. وأيضًا فقوله: أوله شغلٌ وآخره بغيٌ؛ كلامٌ لا معنى له، لأن أول الفقه شغلٌ، وأول الحساب شغلٌ، وآخره بغيٌ، وكذا أوائل العلوم، أفترى الناس تاركين العلوم من أجل أن أولها شغلٌ!؟
وقوله: وآخره بغيٌ، إن كان يريد به أن صاحب النحو إذا حذقه صار فيه زهوٌ واستحقر من يلحن، فهذا موجودٌ في غيره من العلوم من الفقه وغيره في بعض الناس، وإن كان مكروهًا.
وإن كان يريد بالبغي التجاوز في ما لا يحل فهذا كلامٌ محالٌ، لأن النحو إنما هو لتعلم اللغة التي نزل بها القرآن، وهي لغة النبي صلى الله عليه وكلام أهل الجنة وأهل السماء؛ كما قال مقاتل بن حيان: كلام أهل السماء العربية.

1 / 35