ولعلك تميل إلى مقابلة هذه الروايات مع تعدد رواتها بتحفظ المؤرخ العلمي الذي لا يقنعه إلا الوسائل التحليلية المؤيدة لصدق الرواية، على أنك تستطيع ذلك باطلاعك على ما يقوله اليعقوبي مثلا عن طريقة جباية المال، وعلى ما كتبه يزيد بن عبد الملك إلى عمر بن هبيرة، وهو عامله على العراق، يأمره أن يمسح السواد، فمسحه سنة 105، ولم يمسح السواد منذ مسحه عثمان بن حنيف في زمن عمر بن الخطاب حتى مسحه عمر بن هبيرة، فوضع على النخل والشجر، وأضر بأهل الخراج، ووضع على التانئة،
2
وأعاد السخر والهدايا وما كان يؤخذ في النيروز والمهرجان، ليس هذا فحسب، بل انظر إلى تعلله في فرض الغرامات المالية على كبار رجال الدولة لا لجرم إلا أن نفوسهم حدثتهم أن يتزوجوا بعض آل البيت، فإن عبد الله بن الضحاك بن قيس الفهري، عامله على المدينة، كان قد خطب لنفسه فاطمة بنت الحسين بطريقة جافة، فعزله يزيد عن المدينة وولاها عبد الواحد بن عبد الله النصري، وكتب إليه أن يأخذه بأربعين ألف دينار ويعذبه، ففعل ذلك، ويقول المؤرخ الذي نقلنا عنه: إن عبد الله بن الضحاك قد رئي وفي عنقه خرقة صوف يسأل الناس.
ولم يكتف يزيد بن عبد الملك بهذا، بل عزل عمال عمر بن عبد العزيز جميعا، ونحن نعلم من هو عمر، وما عدله وما رقابته عماله، ويكفينا أن نذكر ما كان منه مع يزيد بن المهلب عامله على خراسان، فقد قال له عمر: «إني وجدت لك كتابا إلى سليمان تذكر فيه أنه اجتمع قبلك ألف ألف، فأين هي؟ فأنكرها ثم قال: دعني أجمعها، قال: أين؟ قال: أسعى إلى الناس، قال: تأخذها منهم مرة أخرى!» ثم ولى خراسان الجراح بن الحكمي.
وإنه لمن الممتع حقا تلك المناقشة الورعة الهادئة التي دارت بين عمر ويزيد، وبين عمر ومخلد بن يزيد، وتلك الصرامة التي لا تعرف في سبيل المحافظة على مال المسلمين لينا ولا هوادة، وقد أثبتها ابن الأثير في كامله ولا حاجة بنا هنا إلى الاستطراد بذكرها. •••
فمن أمثال ما قدمناه نستطيع أن نقتنع بأن روايات صاحب الأغاني عن إسرافه قريبة من الواقع إن لم تكن صحيحة لا مبالغة فيها ولا غبار عليها، ثم لننظر الآن إلى أي مدى كان هذا الصنف من الخلفاء تحت تأثير عشيقاتهم من القيان والمغنيات، وما كان لهن من سلطان في أمور الدولة وتولية العمال وعزلهم؛ فإن ذلك يفيدنا في تفهمنا دور الانتقال الذي نحن فيه تفهما هو - في نظرنا - أشد اعتبارا من الاعتماد على رأي المؤرخين وسردهم للحوادث بغير عناية ولا استقراء للنفسية العربية، وخاصة في أبهاء الخليفة، وحبذا العناية بها، سواء أكانت في بيت الخليفة أم في بيت العامل أم عند الرعية، فإن لدراستها ومراقبة تحولها نفعا وكبير جدوى.
ينقل لنا أبو الفرج الأصفهاني عن المدائني أن حبابة - وهي عالية القينة - «غلبت على يزيد وتبنى بها عمر بن هبيرة، فعلت منزلته حتى كان يدخل على يزيد في أي وقت شاء، وحسد ناس من بني أمية مسلمة بن عبد الملك على ولايته، وقدحوا فيه عند يزيد وقالوا: إن مسلمة إن اقتطع الخراج لم يحسن، يا أمير المؤمنين، أن يعيشه، وأن يستكشف عن شيء لسنه وخفته، وقد علمت أن أمير المؤمنين لم يدخل أحدا من أهل بيته في الخراج، فوقر ذلك في قلب يزيد وعزم على عزله. وعمل ابن هبيرة في ولاية العراق من قبل حبابة، فعملت له في ذلك، وكان بين ابن هبيرة والقعقاع بن خالدة عداوة، وكانا يتنازعان ويتحاسدان، فقيل للقعقاع: لقد نزل ابن هبيرة من أمير المؤمنين منزلة؛ إنه لصاحب العراق غدا! فقال: ومن يطيق ابن هبيرة؟ حبابة بالليل وهداياه بالنهار! مع إنه وإن كان بلغ فإنه رجل من بني سكين، فلم تزل حبابة تعمل له في العراق حتى وليها.»
مثل هذا الخبر له قيمته التاريخية في تعرف حال الدولة العربية في ذلك الحين، ولو جاز لنا أن نحلل لنظرنا طويلا في قول القعقاع بن خالد: «ومن يطيق ابن هبيرة؟ حبابة بالليل وهداياه بالنهار، مع أنه وإن كان بلغ فإنه رجل من بني سكين.» فإنه لا يفيدنا في تفهم وقوع الخليفة تحت سلطان عشيقته، ولا في قبوله للرشا فحسب، بل يفيدنا فهم تحول العصبيات العربية الأخيرة، ومبلغ نظر العربي إلى سواه.
أما استخفاف الوليد بن يزيد بالدين، وخمرياته التي فاقت خمريات يزيد بن معاوية، والتي نرى أن لها أثرا كبيرا في أبي نواس وحسين بن الضحاك، وبركة الخمر التي احتواها قصره، فإن أمهات كتب الأدب العربي ومظان التاريخ مفعمة من ذلك بما لا نتعرض له في هذه العجالة بأكثر من إحالة القارئ على ما قاله الوليد في القرآن، وما أحصاه بعضهم له من عدد الأقداح التي شربها في ليلة من ليالي شرابه؛ إذ أثبت صاحب الأغاني أنها سبعون قدحا، وإن كنا نفترض في مثل هذه الأحوال جنوح الرواة إلى المبالغة والإغراق، ثم لتنظر معنا فيما يقوله ابن الأثير عنه حين ولاه هشام الحج، فإنه يخبرنا أنه لما أراد هشام أن يقطع عنه ندماءه ولاه الحج سنة ست عشرة ومائة، فحمل معه كلابا في صناديق، وعمل قبة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه الخمر وأراد أن تنصب القبة على الكعبة وتشرب فيها الخمر. وقد أيد المؤرخون هذه الحادثة، ويقول اليعقوبي: إن الوليد بعث مهندسا ليقوم بذلك.
ثم انظر إلى بيعه خالدا القسري إلى يوسف بن عمر بخمسين ألف ألف، وما رواه المؤرخون من إرساله إلى خالد قائلا له: «إن يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف، فإن كنت تضمنها وإلا دفعتك إليه.» فأجابه خالد بأحسن جواب إذ قال له: «ما عهدت العرب تباع، والله لو سألتني أن أضمن عودا ما ضمنته.» ومع ذلك فقد دفعه إلى يوسف فعذبه وقتله!
Página desconocida