فقال ضرغام: «قلت لأمير المؤمنين إن الذنب في ذلك ذنبي أنا؛ لأن إحداهما خطيبتي وهي في منزلى الآن.»
فقطع الخليفة كلامه وقال: «نحن لا نعترض على زواجك بها وإنما نؤاخذ وردان على اختطافها.»
فقال وردان: «إنما اختطفتها لعلمي أن مولانا الأفشين أمر بإرسالها إلى بلده أشروسنة لتضاف إلى خزائن الأموال التي يرسلها إلى هناك كل سنة من أموال المسلمين ليستعين بها على إسقاط دولتهم عند الحاجة!»
فنظر المعتصم إلى الأفشين فرأى لحيته ترقص في صدره، ولو جس يده لرآها باردة كالثلج ترتعش فقال له: «إن هذه التهم كبيرة. وأراك لا تدفعها.»
فقال الأفشين: «كلها مفتريات كاذبة. وموعدنا غدا فيظهر الحق من الباطل.»
فقال وردان: «لا بأس من التأجيل إلى الغد أو بعده، ولكن من يضمن لمجلس القضاء أن المتهم يبقى في سامرا إلى الغد؟»
فقال المعتصم: «يبقى هنا في الجوسق.» وأشار على صاحب حرسه أن يأخذ سلاح الأفشين وسواده، ويتولى حراسته. فنهض الأفشين وقد سقط في يده ولكنه ما زال يكابر ويغالط ويمشي مرحا وهو يتوعد ويتهدد.
وبعد خروج الأفشين أشار المعتصم فخرج وردان واستبقى الصاحب، فلما خلا إليه، تنهد وقال: «تبا لهؤلاء المجوس، إنهم يشاركوننا في ملكنا ويخدعوننا في أمرنا. ولكن الله أعاننا على الانتفاع بسيوفهم ورد كيدهم في نحورهم. ماذا رأيت يا صاحب؟»
قال: «إن أمير المؤمنين يعرف ما انطوى عليه هؤلاء القوم، وكم شكا منهم ومن مكرهم السيئ.»
قال: «إن ما أشار إليه صاحبك وردان لم يخف علينا، فإن كتب عاملنا في خراسان كانت تأتينا وفيها الشكوى من كثرة الأموال التي يرسلها الأفشين إلى بلده ونحن صابرون. وقد رفعت إلينا الكتب من كثيرين يتهمونه بالمجوسية وعبادة الأصنام وبالتواطؤ مع المازيار صاحب طبرستان وبابك على حربنا. وقد علم بذلك القاضي أحمد ووزيرنا محمد بن عبد الملك الزيات وغيرهما. وقد بعثنا نستقدم المازيار صاحب طبرستان الذي تواطأ معه على الغدر بنا. والمرزبان أحد ملوك السعد، وموبذا مجوسيا، واثنين من المسلمين كان الأفشين قد عذبهما لأنهما بنيا مسجدا في أشروسنة. وسأعقد مجلسا يحضره هؤلاء نفتضح به ما استتر ونجزي كل فاعل بما فعل. أما أنت فلك عروسك تهنأ بها. ولا بأس على وردان فهو حر، وسنجعله من خاصتنا. وعلى الباغي تدور الدوائر.» فدعا له وخرج.
Página desconocida