فقال مسعود: «هل ترى أن أقتفي آثارهم وآتيك بالخبر وإذا استطعت إنقاذهما فعلت؟»
فاستحسن محمد رأيه وأثنى على غيرته وأوصاه بأن يحتاط لنفسه وحثه على الإسراع وودعه، وركب هجينه ويمم شطر المدينة. •••
أما الإمام علي فإنه خلا إلى نفسه بعد خروج محمد من عنده وفكر فيما هم فيه، فرأى من الحزم أن يحول عزمه عن الشام إلى البصرة، فاستشار ابن عباس وغيره من كبار الصحابة فوافقوه على ذلك، فدعا وجوه أهل المدينة وخطب فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، فانصروا الله ينصركم ويصلح أمركم.» ولكنه رأى تثاقلا منهم وقد كان يتوقع تلبية ونهضة، فلم يقلل ذلك شيئا من عزيمته. على أن جماعة من الصحابة تقدموا لنصرته واستحثوا الناس فعادوا إلى نصرته، فعبأ التعبئة التي أعدها لأهل الشام آخر ربيع الثاني سنة ست وثلاثين، وانضم إليه من نشط من الكوفيين. وبينما هو في تأهبه إذ أقبل محمد بن أبي بكر وأنبأه بما كان من خروج عائشة وطلحة والزبير ومن معهم إلى البصرة، فعجل بالمسير. وكان الناس يتوقعون أن يرسل الحملة ويبقى هو في المدينة حفظا لمكانته فيها، فلما رأوه ركب في مقدمة الحملة تقدم إليه عبد الله بن سلام فأخذ بعنانه وقال: «يا أمير المؤمنين، لا تخرج منها فوالله إن خرجت منها لن يعود إليها سلطان المسلمين!»
فقال: «لا بد من خروجي.»
فتكاملت الحملة واجتمعت في الربذة على ثلاثة أميال من المدينة، وتأهبوا للخروج ومحمد والحسن معهم. وكان الحسن لانهماكه بمهام الخلافة ربما مرت أسماء في ذهنه فيصبر نفسه إلى ما بعد ما هو فيه.
واستبطأ محمد خادمه وهو لا يدري ما صار إليه، فقلق عليه ولكنه سر لمسيره هو في الحملة لعله يعلم شيئا عن أسماء.
ولما اجتمع جند علي في الربذة جاءه رجال من طي وأسد وانضموا إلى جنده فاشتد أزره. على أن الحسن لم يكن راضيا عن خروج أبيه في تلك الحملة، فلما رآه عازما على ذلك قال له: «لقد نصحتك فعصيتني، فستقتل غدا ولا ناصر لك.»
فقال له علي: «إنك لا تزال تحن حنين الجارية. وما الذي نصحتني فعصيتك؟»
قال: «نصحتك يوم أحيط بعثمان أن تخرج من المدينة فيقتل ولست بها، ثم نصحتك يوم قتل ألا تبايع حتى تأتيك وفود العرب وبيعة أهل مصر فإنهم لن يقطعوا أمرا دونك فأبيت علي. ونصحتك حين خرجت هذه المرأة وهذان الرجلان أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا، فإن كان الفساد كان على يد غيرك ... فعصيتني في ذلك كله.»
فقال: «أي بني، أما قولك: «لو خرجت من المدينة حين أحيط بعثمان»، فوالله لقد أحيط بنا كما أحيط به. وأما قولك: «لا تبايع حتى يبايع أهل الأمصار»، فإن الأمر أمر أهل المدينة، وكرهنا أن يضيع هذا الأمر. ولقد مات رسول الله
Página desconocida