فعجب محمد لذلك، والتفت إلى العجوز وقال: «قصي علينا الخبر يا خالة من أوله إلى آخره.»
فجلست وأخذت في سرد الحديث فقالت: «هل أقص خبرنا منذ ودعتنا في المدينة وسرنا نحن إلى مكة؟»
قال: «سمعت هذا من خالتي أم الفضل، ولكنني أريد أن أعلم كيف خرجتم من مكة؟»
قالت: «كانت أسماء مريضة عند أم الفضل وهي على مثل الجمر في انتظار إشارة منك للانتقال إلى المدينة، لأنها أصبحت بعد ما رأت من عزم أهل مكة على طلب دم عثمان لا تستطيع الإقامة بها. وكانت مع ضعفها كلما ذكرت عليا والحرب والانتصار له تتشدد وتتقوى، حتى خيل إلي أنها كانت تشتاق النزول إلى ساحة الوغى دفاعا عن الإمام علي لقوة إيمانها ببراءته من دم عثمان، وكانت كلما ذكرت ذلك تبكي وتحرق أسنانها غيظا لقعودنا في مكة بالرغم منها. وعظم الأمر لديها يوم خرجت أختك ورجالها من مكة يريدون البصرة لطلب دم عثمان، فإنها أصبحت في ذلك اليوم على أشدها لفرط ما هاج من عواطفها رغبة في المسير إلى المدينة، وإنما كان يقعدها قولك لها يوم وداعها أنك ستبعث إليها من يستقدمها. فبعد سفر أم المؤمنين بيوم أو يومين جاءنا رسول بكتاب زعم أنه منك، ولم تكد أسماء تتم قراءته حتى هبت من فراشها وقد أشرق وجهها وأبرقت أسرتها وقالت: هيا بنا يا خالة إلى المدينة، فإن محمدا بعث من يحملنا إليه. فنظرت إلى الرسول فلم أذكر أني أعرفه، فقلت له: أين الجمال والأحمال؟ قال: هي خارج المدينة وقد سرحناها للراحة. فلم يرق لي كلامه لأني لا أعرفه، وكانت خالتك أم الفضل جالسة فسألتها فقالت إنها لا تعرفه أيضا، فخلوت بأسماء وحذرتها من المسير مع قوم لا تعرفهم، فأبت إلا الركوب وقالت إنها لا تبالي من كانوا فإنما غرضها الخروج من ذلك السجن، فأطعتها وخرجنا والرجل يسير أمامنا وأسماء لا تزال ضعيفة من عقبى الحمى.
وكنت قبل خروجنا من البيت قد عرضت عليها أن يذهب الرسول فيأتينا بالجمال إلى البيت فنركب من هناك، ولكنها لم تستطع صبرا وأبت إلا المسير حالا. فوصلنا إلى المكان الذي أشار إليه الرسول، فرأينا هودجا على جملين وجمالا أخرى وبضعة رجال لم أعرف أحدا منهم، فخامرني الريب ونبهت أسماء إلى ذلك فلم تنتبه كأن رغبتها في المسير إليك أسكرتها وأعمت بصيرتها. فركبنا والخدم في ركابنا حتى أتينا مكانا تتشعب فيه الطريق إلى شعبتين، وهناك رأينا أناسا مسلحين ينتظروننا وفيهم شاب بلباس ثمين كأنه سيدهم، فلما وصلنا إلى المفرق وقفت جمالنا ودنا الرجال برماحهم فتحققنا وقوع الخيانة. وكان الليل قد أسدل نقابه فلم نعرف أحدا من هؤلاء، فلما رأيناهم تحولوا عن طريق المدينة إلى طريق البصرة قلت: «إلى أين أنتم ذاهبون بنا؟!» فقالوا: «إلى حيث نشاء.» فهالني جفاء الجواب، ونظرت إلى أسماء على ضوء القمر فإذا هي ثابتة الجأش على ضعفها. وقد كنا في الهودج معا، فحالما تحولنا إلى ذلك الطريق أنزلوني من الهودج وحملوه على جمل واحد، وأركبوني الجمل الآخر فأطعت مرغمة.»
وكانت العجوز تتكلم ومحمد مصغ يتطاول بعنقه لسماع تتمة الحديث وقد ظهر القلق على وجهه، فاستأنفت العجوز حديثها وقالت: «وما زلنا سائرين مسرعين طول الليل حتى أصبحنا وتبينت الوجوه وتفرست جيدا، فرأيت بينهم رجلا تذكرت أني رأيته في خدم بيت أختك أم المؤمنين، وتأملت الشاب ذا اللباس الفاخر فإذا هو ذو جمال وقيافة فظننته سيدهم، ولم أعرف من هو ولكنني عرفت أن اسمه سعيد، ويلوح عليه أنه من أهل البصرة.
ولم تكد جمالنا تستريح حتى دنا الرجل من هودج أسماء وأنا أنظر إليه من بعيد وأسمع شيئا مما يقول، ففهمت أنه يسألها عن حالها وهل لا تزال تفضل المدينة وأهلها، ورأيت منه احتفاء عظيما بها إذ أمر بطعام فاخر قدمه لها وجعل كل رجاله في خدمتها ...»
فقاطعها محمد قائلا: «وهل أكلت من طعامه وأجابته على كلامه؟»
فقالت: «والله يا بني إني لم أشاهد في حياتي كلها لا في الجاهلية ولا في الإسلام فتاة ولا شابا أثبت جأشا من أسماء ولا أصبر على المكاره منها، فقد كانت مع ضعفها وعلمها بالخطر الذي وقعت فيه مطمئنة لا يبدو على وجهها شيء من دلائل الخوف والاضطراب. وقد لحظت لما كان ذلك الشاب يكلمها أنها كانت تجيبه بكلام لم أسمعه، ولكنني رأيت أثره في وجه الشاب تهيبا وخوفا منها وكأن الخطر قد زاد أسماء هيبة وجلالا كما زادها الضعف حسنا وجمالا. وأما أنا فكنت خافقة القلب مضطربة الحواس لا أكاد أستطيع الوقوف لشدة الارتعاش، وهي جالسة في هودجها والقوم ولا سيما سعيد وقوف على خدمتها لتلبية كل إشارة منها.»
فقال محمد: «لم تجيبيني يا خالة عن سؤالي، هل أكلت من طعامهم؟» قالت: «لا يا سيدي، لم أرها تأكل، ولكنني لا أظنها استطاعت البقاء بلا طعام.»
Página desconocida