وكان الناصر وهو جالس يسمع ذلك الحديث ترتعد فرائصه، وقد أخذته الدهشة من عظم الاستغراب، وكان يسترق اللحظ مرة بعد أخرى إلى ياسر، فيرى الفشل باديا على محياه وكأنه سقط في يده، ومع ذلك فإن اشتغال ذهنيهما بسماع تتمة الحديث ألهاهما عن كل شيء.
أما عبد الله فلما سمع استخفاف الزهراء به هز رأسه وقال: «أتظنين أني وحدي ناقم على والدي؟ إني آخر الناقمين؛ لأنه أساء إلى كل الأحزاب؛ استبد بالسلطة، واستبدل رجال الدولة من العرب والبربر بالخصيان من الصقالبة، فلذلك نقم عليه الناس، ولو قلت كلمة لالتف حولي ألوف من أهل الحرب؛ فيهم كثيرون مثل صاحب النقمة.»
فلم تتمالك الزهراء عند سماع ذلك الاسم عن الوقوف، ثم شغلت نفسها عنه وقالت: «لله أنت من أمير مغرور! اعلم أني نصحتك وأعيد النصح ثانية، فإذا لم تقبل النصح فإني سأتحدث بأمرك إلى أبيك؛ لأني أضن بهذه الدولة أن تذهب فريسة الغرور، وقد بناها أبوك على هام الرجال فأحيا بها دولة المسلمين وعزز الإسلام، فلا تهدمها بطيشك . وأشير عليك قبل أن تقدم على هذا العمل أن تستشير العقلاء.»
فقاطعها عبد الله قائلا: «قد استشرت الفقيه ابن عبد البر وهو أعلم الفقهاء، وإن كان والدي قد نبذه وفضل عليه سواه.»
قالت الزهراء: «أحسب أن هذا الفقيه هو الذي أغراك على أبيك انتقاما لنفسه من الفشل الذي أصابه يوم ذلك الاحتفال؛ إذ امتنع عليه الكلام.»
فضحك عبد الله وهو ينهض وقال: «أنا أعقل من أن أنقاد لسواي، وسترين.»
قالت الزهراء: «لا، بل أرجو أن ترجع إلى رشدك وتعدني أنك تائب في هذه الساعة، وإلا فإنك غير خارج من هذا المكان قط.»
قال عبد الله: «تهددينني؟»
قالت الزهراء: «لا تستخف بي، فإني أضحي بحياتي في سبيل نصرة مولاي ومولاك.»
فهز عبد الله رأسه استخفافا ومشى، فصاحت الزهراء: «ساهر!»
Página desconocida