وكان أول شيء سمعاه قول عبد الله: «أنت تعلمين يا زهراء منزلتك عندي قبل الآن.»
فأجابته: «نعم أعلم؛ ولذلك فإني بعثت إليك لأخاطبك بهذا الشأن، ولولا حبي لك لم أفعل.»
قال عبد الله: «إن رضاك عزيز علي، ولكن طفح الكيل ولم أعد أستطيع صبرا.»
فقالت الزهراء: «مهما يكن من طفح ذلك الكيل لا أرى ما يوجب هذه النقمة.»
فقطع عبد الله كلامها قائلا: «كيف لا أنتقم وقد عاملوني معاملة العبد المملوك! لم يكف أنهم سلبوني ولاية العهد حتى أصبحوا يسلبونني أسباب راحتي؛ هذه جارية أتتني واستلطفتها وطلبها أخي مني فاعتذرت له، فشكاني إلى أبي، فبعث يطلبها ليراها فأرسلتها، فحبسها عنده لنفسه.»
قالت: «أهذا يوجب كل هذه النقمة حتى تنصر الغرباء على أبيك؟ أليس هو ولي نعمتنا؟ أليس هو أمير المؤمنين وأرواحنا حلال في قبضة يده؟ يجب أن تعلم أني أحبك؛ لأني حين علمت بتغيير قلبك على أبيك بعثت إليك أنصح لك، ولولا حبي وغيرتي على سيدي الناصر ولي نعمتي لم يكن أسهل علي من أن أرفع أمرك إليه، وهو لا يعجز عن القصاص.»
قال عبد الله: «إنه لم يتصرف معي كما يتصرف مع سائر أولاده، وقد قال لي ابن عبد البر الفقيه، وهو أعلم فقهائنا، إن من كان مثل أخي الحكم لا يليق للخلافة، لاشتغاله عن أمور الدين بالدنيا.»
فقالت الزهراء: «كأنك تطمع في أن تكون ولاية العهد لك؟»
قال عبد الله: «وما المانع؟! ألم يحدث ذلك في الإسلام؟! إن الخليفة غير مقيد بمبايعة أكبر أولاده، بل هو يجب أن يلاحظ أخلاقهم وقدرتهم.»
فقطعت كلامه قائلة: «ليس في ولي العهد ما يمنع مبايعته ... ثم لم أكن أنتظر منك أن تخالف أباك في شيء، وإلا تكون قد أيقظت الفتنة، فأنا قد تحملت تهمة الريبة من سيدي الناصر؛ لأني خاطبتك المرة الماضية على انفراد، وقد هددني فلم أتكلم بشيء خوفا عليك، فأصغ إلى قولي وارجع إلى رشدك، فما أنت أولى من أخيك بولاية العهد ولا كنت أهلا لها. هذا إلى أن طاعة مولانا الناصر واجبة، وهو الذي اختار أخاك، أما إذا كنت تنوي الخروج عليه فذلك أمر آخر، وأنت أعجز من أن تستطيعه.»
Página desconocida