قلت: وأما الأصل الثاني منها: فهو مجموع أصول (أحكام)(1) شرائعهم التي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاجتهاد وما صح لهم من الاستصحاب وتعبد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قبل بعثته، وشرع من قبلنا ما لم ينسخ والاستحسان؛ لكن هذه جميعها لا يمكن أن تأخذ أحكامها الشرعية عندهم إلا برد مجتهديهم بكل دليل منها إلى ما قد صح عندهم اعتبار الشارع له من عرض كل دليل منها على أصل قواعد أصول فقههم الآتي تحقيقها قريبا -إن شاء الله تعالى- بحيث أن فقيههم المجتهد العارف بكيفية وجه الدلالات والموالات بين الدالات يمكنه بعد استفراغ وسعه أن يستخرج منها الأحكام الشرعية عن مناطاتها الحقيقية.
قلت: وإلى هذا يشير كلام المنصور بالله عليه السلام في (الشافي)(2) حيث قال ما لفظه: إنا لا ننكر ما صحت روايته بطريق [91أ-أ] أحد من الصحابة رضي الله عنهم سواء كان أبو هريرة أو غيره؛ وإنما الشأن في صحة السند وكون الخبر غير مخالف للأصول على حد لا يمكن تأويله. انتهى كلامه عليه السلام هنا.
قلت: وسيأتي -إن شاء الله تعالى- تحقيق الفقيه والفقه وما يحتاجه المجتهد المطلق أو في القدر المحتاج إليه في الأصح من العلوم المعتبرة المشتهرة؛ ولهذه الوجوه جعلهم الله ورثة الكتاب وتراجمته وحفظته وقرناه؛ وهذا هو معنى الرد الذي جعله الله إليهم، وقد تقدم في الجزء الأول من هذا ما فيه هدى وشفاء؛ لأن من أخل بهذه الأصول وأهملها وأراد أن يستدل بالكتاب والسنة من دون مولاة وقع في ورط الظاهرية والباطنية وغيرهم من أهل البدع الردية، ومن لاحظها وعمل بمقتضاها مشى على الطريق السوية، وصادف السنة المحمدية، وفقنا الله على رضاه، وإلى ما يحب ويهواه.
Página 34