فجأة وجدت مشغوليتي الخاصة تتبخر وأنساها، كان لا بد أن أصل إلى الزيتون في السابعة تماما وكان الموعد هاما جدا، ولكن العربة وقفت ، كان هناك نهر بشري هائل يقسم القاهرة قسمين، والمرور ممنوع، لا بأوامر رجال البوليس والمرور ولكن أولا بحكم هذا البحر الزاخر الذي لا سبيل إلى اختراقه. هبطت وضميري يتململ بالموعد المخلف، ولكني من ناحية أخرى كنت أحس بفرحة الإقبال على تجربة مثيرة، طالما تمنيت أن أقف بين الناس العاديين، جماهير الشعب أثناء مرور جمال عبد الناصر لأعرف ماذا يقولون وبماذا يشعرون، كثيرة هي الصور التي نرى بها الرئيس؛ صوره وهو يخطب، صوره في قراراته كرئيس جمهورية، صوره في مواقفه المختلفة وتصريحاته، صورته وصوته في الراديو أو في التليفزيون. كثيرة هي الصور، ولكني كنت أتمنى دائما أن أراه من خلال الناس، من خلال أبناء شعبنا العاديين.
حاولت اختيار أقل الأمكنة ازدحاما لتتاح لي أكبر فرصة للرؤية، ولم أوفق؛ فكل مكان أكثر ازدحاما من الآخر، وهو ليس ازدحاما فقط ولكنه عملية تأنيس هائلة حدثت لكل شيء لأرض الشارع والجدران وأعمدة النور والشرفات والمقاعد وأسطح العربات. كلها استحال سطحها إلى بشر وكأنما زرعت لتوها بنبات بشري سريع التكاثر غطاها ولم يبق ولم يذر، حتى إني وجدت صعوبة في التعرف على المكان وهل هو حقيقة ناصية الساحة ومحمد فريد، صعوبة سببها هذه الأحراش البشرية التي نبتت فجأة وغيرت جغرافية المدينة.
وقفت كالمذهول أتأمل ما حولي، وألهث كالغريق في بحر الناس. أبدا لم أحس بمثل هذا الإحساس، لا للعدد الهائل من الناس ولكن لما كان يعتمل داخلهم، كم من مواكب الحكام شاهدناها، وكم من هتاف وتصفيق، ولكنه هذه المرة شيء مختلف، إن في الناس الواقفين اضطرابا، إنهم لا يستقرون، قلقون يتحركون ويتفاعلون، ويضحك بعضهم ويتحدث البعض الآخر، وفي العيون بريق الترقب. الصف الأول على شط البحر يصبح بالدفع والتسلل الصف الأخير، ليعود يدفع هو الآخر ويتسلل، والشارع المحروس برجال البوليس يتسع ويضيق في موجات متعاقبة، والواقفون حولي بعضهم صعايدة ينطقون الجيم بالدال، وجدة عجوزة لا تكف عن قولها: هو فين يا خويا ... هو فين؟ وطفل ممتط عنق أبيه وأبوه واقف فوق سقف الأتوبيس لا يكف عن القول: أهه ... أهه، وعمال في فرن يحملون رصص العيش كانوا في طريقهم إلى الدكان فوقفوا وأرغفة الخبز الساخنة بواخها يتصاعد، وشحاذ - أي والله شحاذ - لا يأبه لرائحتها ويزيحها بعيدا عن وجهه وأنفه حتى لا تحول بينه وبين الرؤية، بل وتترى تهديدات الواقفين ببعثرة الخبز أو سرقته أو التهامه لا كجوعى، ولكن فقط لكي يزيلوه من الوجود. وأخيرا بالدفع والجذب والتضييق يتراجع حاملو أقفاص العيش إلى آخر الصف، وسائق الأتوبيس الواقف الطويل الأصلع يقهقه بضحكة عريضة أقسم أني أحسست بها صادرة من قلبه، وأقسم أنه لم يكن لها سبب ظاهر ولا أخرجتها نكتة. والعساكر، أولئك الذين يحمون مجرى النهر من أن تردمه الكتل البشرية يبتسمون، ابتسامات حقيقية، ويقولون للشعب أبو جلاليب: إحنا خدامينكم، إحنا بتوع الشعب. أخيرا عرفت الشوارب الغليظة وأصبحت تنطق - بابتسامة - كلمة الشعب، نطقا يدفع الصعيدي أبو لبدة الواقف بجواري ليقول: ده كلاته من فضل أبو دمال. فيلكزه زميله مصححا: الرئيس دمال ياخينا.
سنراه بأعيننا
وقفت، وبعد أقل من ثانية كانت موجة الانفعالات الموجودة أصلا غمرتني وشملتني، وأنستني الزيتون والحلمية والموعد. وأصبح كل اهتمامي مركزا في وجهي، وكل اهتمامي بوجهي مركزا كالآخرين في أن أعثر على مكان بين العدد اللانهائي من الوجود أستطيع منه أن أرى ... الشغف العارم المكتسح وجدته يشملني، ويصبح همي الأوحد أن أرى جمال عبد الناصر، لا جمال الذي عرفناه، ولكن جمال شعبي، جمال هؤلاء الناس ... جمال الذي قادنا ببراعة منقطعة النظير حتى أرسانا، وأرسى جماهير شعبنا، هذه الجماهير على بر الاشتراكية. إنه من بعيد قادم، وبعد حين سيهل علينا، الرجل الذي نبع منا وبالقوة أقصى المستبدين بنا، وبكل إخلاص الابن البار أعاد الحقوق إلينا ... كاملة يا جمال وغير منقوصة، ها هو بعد قليل سنراه، ابننا وأبونا وأخونا الذي أصبح معجزتنا، بعد قليل سيمر من هنا، من أمامنا، وسنراه بأعيننا، وكأنما سنرى بأعيننا أحلامنا تتهادى في موكب حقيقي، وكأنما سنرى بأعيننا حقوقنا التي كدنا نيأس من ردها وهي ماضية، نلمسها ونعانقها في شوق ونحييها وترد لنا التحية.
ازدادت الحركة إلى درجة دفعت كل واقف منا أن يتخلى عن تحكمه في وقفته ويترك نفسه على سجيتها، يفعل بها الدفع والجذب والتنافس لالتقاط الرؤية الأولى ما يشاء، وسمعنا من ناحية ميدان المحطة تصفيقات، وعلى الفور تصاعدت من بقعتنا عدة من التصفيق، ثم اتضح أنها «سيرينة» موتوسيكل يمتطيه شاويش من الحرس الجمهوري، ولم يفعل ما حدث إلا أن ألهب الترقب، حتى إن بائع كازوزة حاول أن يرفع صوته مناديا على بضاعته فتولى من حوله إسكاته في الحال، ولو لم يسكت لأغلقوا فمه بالقوة. وقال الطفل الراكب أباه مرة: أهه ... أهه، وتصاعد التصفيق وهتاف الصعايدة: «فليعيش» جمال، ولكنه كان قائد المرور في سيارة مكشوفة، وأطلق سائق الأتوبيس ضحكة أخيرة ثم تلفت بعصبية ناحية أتوبيسه فوجد سطحه فوقه أكثر من خمسين، وما لبث أن اتجه إلى الأتوبيس في غضب ظاهر ودخل في مناقشة غير مجدية مع الراكبين بلا تذاكر خوفا على سطح الأتوبيس، وانتهى النقاش إلى أنه صعد معهم، وبدا كأنه رضي تماما بالواقع حيث أفسحوا له مكانا بينهم. وعادت العجوز التي بدا أنها أم صاحب الدكان الذي نقف أمامه وقد أخرج لها «البنك» وجعلها تثبت أقدامها جيدا فوقه، عادت تتساءل: هو فين ياخويا ... هو فين؟ وسمعنا سيرينة أخرى، وصفق الناس، وحدثت حركة هرج ومرج هائلة، وازدادت نوبات ضيق الشارع واتساعه رغم أيدي رجال البوليس التي تشابكت، ورغم أوامر الضابط، وكل هذا ولم يكن الموكب قد بدأ أو بدرت له بادرة.
لحظة عجز
وكدت أبكي عجزا، فيا للعالم الغريب الذي تفتح لي ووقفت على أبوابه! يا لآلاف المعاني المتزاحمة في خاطري من هؤلاء الناس عن أبي الكبير ... هذا الشعب، وعن ابنه البطل ذلك الزعيم! ما أروع ما قرأته في تلك العيون النهمة إلى الرؤية والتطلع! ما أعمق المعاني التي أحسستها وعرق الاضطراب الجماعي تندى به الجبهات! والقلوب أسمعها تدق، في قلبي المنفعل وهو يدق، في الترقب، في التطلع، لكأننا لا نصدق أنه سوف يظهر، ذلك الزعيم، لكنه سيجيئنا من السماء رأسا وعلى هيئة خارقة، ذلك الحب الصادق أين نجده بهذه المحيطية المتدفقة الشاملة، الحب النابع من النفس الكبيرة، نفس الشعب الرابض ملايين السنين فوق وادينا، المظلوم لآلاف السنين، والذي عرف كيف يقاوم الظلمة، وما كان أحد يدري أن باستطاعته أن يحب العدل والعادلين، أو إذا أحبهم أن يعبر عن هذا الحب بأقوى مما قاوم به الظلم، وأن يدرك بغريزته أين الزعيم، وأن يعرفه ويشمله ويحيطه ويرعاه حين يتصرف فعلا كزعيم، ويصبح على استعداد ليفقد المئات والآلاف والملايين ليحافظ على حبة عينه، على أغلى ممتلكاته، على قائده.
وأقبل الهدير، هدير راعد يكتسح، هدير لا تخطئه الأذن، عرفه الطفل وسكت، ولم تتساءل العجوز عن معناه، هدير أخرسنا وأسكتنا وأوقف على رءوسنا طير الدهشة والانبهار، هدير مختلط شنج الأيدي في قبضاتها وسكن حركة النبات البشري المتماوج، ومن بعيد، ومن أبعد بعيد، وبأسهل وأسرع مما كان يتصوره أحد، ورغم عشرات الآلاف من الأيدي التي سبقتنا بالارتفاع والتصفيق ورش الملح والتلويح، طالعنا الوجه الأسمر المبتسم، ورأينا أياديه.
وانفلت الزمام ...
Página desconocida