377

Bariqa Mahmudiyya

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

Editorial

مطبعة الحلبي

Edición

بدون طبعة

Año de publicación

١٣٤٨هـ

Regiones
Turquía
Imperios y Eras
Otomanos
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ يَعْلَمُهُ بِالْمَبْدَإِ وَالْمَعَادِ ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] أَيْ الْمَيْلِ إلَيْهِ بِمُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ الْبَشَرِيَّةِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى حُبِّ الْهَوَى لِلِاخْتِيَارِ مِنْ اللَّهِ ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] مَأْوَاهُ لَيْسَ لَهُ سِوَاهَا مَأْوًى فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ مُخَالَفَةَ النَّفْسِ بِتَرْكِ هَوَاهَا عِلَّةً عَادِيَّةً وَسَبَبًا شَرْعِيًّا لِقَصْرِ مَقَامِهِ عَلَى الْجَنَّةِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ مُخَالَفَةُ النَّفْسِ رَأْسَ الْعِبَادَةِ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ وَقَدْ سُئِلَ الْمَشَايِخُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالُوا: ذَبْحُ النَّفْسِ بِسُيُوفِ الْمُخَالَفَةِ
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ نَجَمَتْ طَوَارِقُ نَفْسِهِ أَفَلَتَ شَوَارِقُ أُنْسِهِ قَالَ ذُو النُّونِ: مِفْتَاحُ الْعِبَادَةِ الْفِكْرُ وَعَلَامَةُ الْإِصَابَةِ مُخَالَفَةُ النَّفْسِ وَالْهَوَى وَمُخَالَفَتُهَا تَرْكُ شَهَوَاتِهَا وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: النَّفْسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى سُوءِ الْأَدَبِ وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِمُلَازَمَةِ الْأَدَبِ فَالنَّفْسُ تَجْرِي بِطَبْعِهَا فِي مَيْدَانِ الْمُخَالَفَةِ وَالْعَبْدُ يَرُدُّهَا بِجَهْدِهِ عَنْ سُوءِ الْمُطَالَبَةِ فَمَنْ أَطْلَقَ عِنَانَهَا فَهُوَ شَرِيكُهَا مَعَهَا فِي فَسَادِهَا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ﴾ [الجاثية: ٢٣] جَعَلَ ﴿إِلَهَهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] مَعْبُودَهُ ﴿هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] بِحَيْثُ لَا يَعْبُدُ إلَّا مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ بِأَنْ أَطَاعَهُ، وَبَنَى عَلَيْهِ دِينَهُ لَا يَسْمَعُ حُجَّةً وَلَا يُبْصِرُ دَلِيلًا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] فِي إيثَارِ الدُّنْيَا وَاسْتِرْضَاءِ قَوْمِهِ وَأَعْرَضَ عَنْ مُقْتَضَى الْآيَاتِ وَالنُّذُرِ ﴿فَمَثَلُهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] فَصِفَتُهُ الَّتِي هِيَ مَثَلٌ فِي الْخِسَّةِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ النَّظِيرُ يُقَالُ مِثْلٌ وَمَثَلٌ وَمَثِيلٌ كَشَبَهٍ وَشِبْهٍ وَشَبِيهٍ ثُمَّ نُقِلَ لِلْقَوْلِ السَّائِرِ الْمُمَثَّلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ وَلَا يُضْرَبُ إلَّا مَا فِيهِ غَرَابَةٌ؛ وَلِذَلِكَ حُوفِظَ عَلَيْهِ مِنْ التَّغْيِيرِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِكُلِّ حَالٍ أَوْ قِصَّةٍ أَوْ صِفَةٍ لَهَا شَأْنٌ، وَفِيهَا غَرَابَةٌ
﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] كَصِفَتِهِ فِي أَخَسِّ أَحْوَالِهِ أَوْ فِي عَدَمِ التَّأَثُّرِ بِالْوَعْظِ وَالْبَقَاءِ عَلَى الضَّلَالَةِ ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] أَيْ تَزْجُرْهُ وَتَطْرُدْهُ ﴿يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦] مِنْ لَهَثَ كَمَنَعَ وَاللُّهْثَةُ بِالضَّمِّ الْعَطَشُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ﴿أَوْ تَتْرُكْهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] مِنْ غَيْرِ حِمْلٍ عَلَيْهِ وَلَا زَجْرٍ عَنْ هَذِهِ الْفَعْلَةِ ﴿يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦]

2 / 72