Lamentaciones: Seis lágrimas por un alma árabe
بكائيات: ست دمعات على نفس عربية
Géneros
5
يدخل الطبيب الذي كان عندك منذ قليل على عجل. تتابعه بعينيك كأنك تتحقق منه: أسمر طويل ونحيل، على وجهه وجبهته صرامة وجدية لم تلحظهما من قبل. يهتف وهو يستدير: تفضل يا دكتور. من فضلكم انتظروا بالخارج. تطل رءوس تعرفها وإن لم تظهر من الباب إلا لحظات خاطفة. تلمح القلق على وجه الناقد والشاعرين. تتمنى لو تنادي عليهم أو تطمئنهم فلا تقوى على إخراج كلمة واحدة. يدخل رجل ناصع الوجه مستديره، تسبقه نظارات تلمع كالبرق بين إطارين من السحب السوداء. تظهر أسنانه البيضاء التي تنفرج عن صوت جهوري ضاحك: الشاعر الكبير؟ لا بأس عليك. ترفع حاجبيك دهشة، فيرتفع الصوت وتعلو الضحكة: طبعا لا تتصور أن الأطباء يعرفونك. ها أنت جئت يا سيدي لأسمع نبضات قلبك بعد أن قرأتها. يقف الطبيب الأول بعيدا، ويقدمه إليك: الأستاذ الدكتور ... أخصائي القلب المعروف. ينهره الثاني بإشارة من يده، ويقترب منك، ويسبقه نور أسنانه وابتسامته العريضة الصافية. تحاول أن تبدد الدهشة التي عقدت حاجبيك وتهمهم: أهلا و... لكن الصوت يتهدج ويخونك. ينطلق الطبيب قائلا: أرجوك لا تجهد نفسك، حتى الكلام ممنوع الآن. أليس غريبا أن أطلب هذا من شاعر؟ يفتح حقيبته بسرعة مذهلة وفي لحظة تتدلى السماعة على صدره. يقول وهو يمسح على يديك، ويمر بهما على رأسك المشتعل بتاج الثلج: أرجوك؟ لا تتكلم أبدا. هذا أغرب أمر يوجه إلى شاعر. أليس كذلك؟ قل لربة الإلهام أن تدير وجهها قليلا، أو فلأقل أنا ذلك. سأعمل كل شيء، والرب يدبر ما فيه الخير. فرصة سعيدة إن شاء الله. هل تعلم أنني كنت أتمنى أن أراك من وقت طويل. إي والله. قرأت كثيرا من شعرك وأنا طالب، وما زلت رغم مشاغلي أقرأ فيه. هل أفضي لك بسر؟
تبتسم وأنت تحس أصابعه تدق على صدرك ببراعة، وتلمس برودة السماعة وهي تلهث صاعدة نازلة على جلدك. يأمرك بصوت رقيق أن تسعل، أن تزفر، أن تشهق بقوة، أن تأخذ نفسا آخر، فتمتثل برغم الإعياء المسترخي في أطرافك وعروقك. لا تفارق الابتسامة الشاكرة فمك، وأنت تتابع ثرثرته الحبيبة ، وتنظر بحب إلى قسماته الوديعة الطيبة. يستطرد حديثه كأنه يتلو تعويذة ساحر يحاول أن يخرج جنيا عنيدا من جسد مريضه: هل تعلم أنني. أقصد أنني ... لم أكتف بقراءته والحياة معه، لقد ساعدني أيضا على الحب. طبعا تتعجب. أقول لك السر وأمري إلى الله، باختصار: أحببت بشعرك.
تسرح عيناك وتبتعدان عن وجهه قليلا. تغيم سحابة عليهما وتقول لنفسك: «الشعر زلتي التي من أجلها هدمت ما بنيت. من أجلها خرجت. من أجلها في أول المسا طعنت، وها أنا أعرض قلبي الذي أوجعني حتى بكيت، قلبي الذي ...»
تلاحظ أن الطبيب يترك السماعة على صدرك، ويتجه إلى زميله مقطب الوجه. يتبادل معه الكلام المتدافع كقطرات المطر المفاجئة بالإنجليزية، وتلتقط أذناك كلمة القلب التي تتقطر فيهما كالحديد المصهور. يخرج الطبيب الأسمر النحيل مسرعا ويغلق الباب وراءه. يرجع إليك الطبيب وهو يرسم نفس الابتسامة على شفتيه وملامح وجهه الذي لا يخفي الانزعاج. يستأنف كلامه وهو يواصل كشفه الدقيق، ويسرع فيه إسراع النبضات التي بدأت ترتجف، وترج صدرك: باختصار يا سيدي. أحببت بشعرك وتزوجت أيضا. «وجه حبيبي خيمة من نور. شعر حبيبي حقل حنطة.» نسيت بقية الأبيات. أرجوك لا تجهد نفسك. والآن انقلب على وجهك، حتى لا تتذكر فتثير في نفسي حسرات الحب. نعم هكذا. لم تصدق أول الأمر. أحضرت لها الكتاب المقدس، وقرأت معها في نشيد الأنشاد. بالطبع لم أنسب الشعر لنفسي. معاذ الله من الكذب. إما أثبت لها أن الحب نبع خالد، يلهمك ويلهم صاحب النشيد، ويلهمني أيضا. ساعدني شعرك أيضا حين أردت أن أعزز حبي، وقلت لها عن ظهر قلب: آنستي - لم تكن قد أصبحت سيدة بعد - «إليك قلبي واغفري لي، أبيض كاللؤلؤة، وطيب كاللؤلؤة، ولامع كاللؤلؤة، هدية الفقير للفقير.» ولا تسل عن تأثير صوتي، وأنا أقول أبيض وطيب ولامع وأقدم لها قلبي في ليلة لا أنساها، واتفقنا فيها على كل شيء. أليس غريبا أن أصبح طبيبا للقلب، وأن أستدعى الليلة من نومي لأعالج قلبك كما عالجت قلبي؟ استدر الآن خير إن شاء الله . إن شاء الله خير. كم اليوم من أيام المسيح؟ أعني في أي يوم نحن؟ ينظر في ساعته بسرعة. يخطف الكلام ويقول: الخميس. نعم، ثم يفرد تقطيبة حاجبيه وجبهته ويسأل مبتسما: اليوم الثامن من أيام الأسبوع الخامس في الشهر الثالث عشر. الحق أنني لم أفهم ما قلت تماما، ننتزع ضحكة خافتة من أنياب الحزن وتقول رغم أوامره المشددة: وأنا لم أقل شيئا. إنه بشر الحافي لشيخه بسام الدين. يصفق بيديه. معذرة لا وقت لدينا. سنتفاهم في الغرفة الأخرى حول ... من قلت؟ آه! أرجوك الصمت، لا دعي للإجهاد أو الحركة. أنت تقدر بالطبع. وستبقى يومين عندنا. يبدو الذعر على وجهك ويثب من عينيك. تهم بأن تسأل أو تعترض، فيشير بيده إشارة حاسمة: اطمئن. اطمئن تماما. إجراءات عادية نعملها كل يوم. تهم أن تحرك شفتيك، وترفع يدك، فيؤكد إشارته: أعرف أعرف. سنبلغ الزوجة الكريمة والأولاد. لماذا لا تريد أن تشرفنا يومين؟ على الأقل نتكلم عن الشعر، ونتعرف على الشيخ ... الشيخ ... يسرع إلى الباب الداخلي ويفتحه، يغيب لحظات تنشغل فيها بنفسك وتناجي بشر وبسام الدين. ها أنا ذا مقتول يا شيخي. في اليوم الثامن من أيام الأسبوع الخامس للشهر الثالث عشر. مقتول ولا قطرة دم. والسكين الألفاظ تشق اللحم. أي زمان هذا؟ لا يعرف فيه مقتول من قاتله، ومتى قتله. وأقول لنفسي: يا ليتك كنت خرجت. من مدن الموتى يسكنها جيل مات قبيل الموت. يا ليتك كنت ببشر الحافي في الصحراء لحقت، يا ليتك كنت لزمت الصمت. فتحسس رأسك. فتتحسس رأسك.
6
تتحسس رأسك بكف مرتجفة. تتطلع للنافذة وتشعر أن الليل المتربص يحصي من مكمنه الأنفاس. الليل القبر يمد غطاء الكفن على الناس. تهتف: يا رب الكون المشئوم. أدركني فالليل طويل تنعق فيه البوم. ها هي تصرخ وهي تحوم: جروك لبئر الكلم المسموم. تركوك وحيدا تغرق وتئن أنين يتيم. رجموك بلفظ كالحجر رجيم. كلمات في كلمات تنهمر كشلال هادر، نسجوا منها حبلا يلتف على رقبة شاعر. ورأيت الدنيا مولودا بشعا، فتمنيت الموت. والآن تنام وحيدا وعلى عنقك تلتف حبال الصمت. يا ليتك كنت لزمت الصمت. يا ليتك كنت خرجت.
وتعود تتحسس رأسك عندما ينفتح الباب فجأة، ويدخل الطبيبان والممرضة التي تسحب وراءها محفة تدور على عجلات. ويلمحك الطبيب، فيهتف: ألم نتفق على عدم الحركة؟ ويقترب منك وهو يجاهد أن يفرش ابتسامة على فمه: ألا يستمع الشاعر مرة واحدة لربة الطب والشفاء؟ ترن الكلمة الأخيرة في أذنك رنين قيثارة مجروحة على جبل بعيد. تتطلع للوجه الطيب الضحوك بنظرتك المفعمة بالتعاسة والسخرية. يتقدمون نحوك وهو يحذرونك من أي حركة، ويلف الطبيب الشاب ذراعك حول عنقه، ويدخل طبيب القلب ذراعه تحت خصرك ويحملك إلى أعلى، بينما تحاول الممرضة أن ترفع ساقيك بحذر، وتنزلهما على المحفة الواطئة. تنغرز الشوكة عميقة في القلب. يهم الطير الأسود أن يرفرف بجناحيه، وتتسع عيناه دهشة ورعبا. تتردد كلمة القلب، فتتذكر بيتا قديما وثب إلى صندوق الذاكرة منذ قليل: «أشقى ما مر بقلبي أن الأيام الجهمة، جعلته قلبا جهما.»
تخرج المحفة إلى القاعة الواسعة، فتسرع الخطى نحوك. هادئ أنت والليل والطارق المجهول والأصدقاء مسرعون، يتسابقون بجانبك وعينك ترعاهم، وتطوف بوجوههم وتحاول في صمت أن تمسح عنها آثار الذعر. يهمس طبيب القلب للشاعر الذي اقترب منه هو والناقد: غرفة الإنعاش. يبتعد قليلا ويسر إليها: أزمة حادة في الشريان. سأعمل ما في طاقتي. يهز رأسه كثيرا وهو يلاحق المحفة، ويؤكد لهما: العمل عمل الله. لا بد من إجراء سريع. نعم لا بد من حضورهم. نعم إن شاء الله. تلمح القلق يطل من العيون، فتقول وأنت تحاول أن تمد يدك لتصافحهم فلا تستطيع: ما لكم. شدوا حيلكم. يحذرك الطبيب وهو يعدو خلفك. يخبط الناقد كفا بكف. تطفر الدمعة من عينه، ويسند وجهه على الحائط. تبتعد المحفة وما زالت نظراتك تلمسهم وتجفف دموعهم، وتزيل غبار الذهول عنهم. تكاد النظرات تقول: «وما الإنسان إن عاش وإن مات، وما الإنسان؟ وهل من مات لم يترك له رسما على الجدران، وخطا فوق ديباجة وذكرى في حنايا القلب؟ وما الإنسان إن عاش وإن مات، وما الإنسان؟»
7
Página desconocida