فصل [ ] في التحذير من الرياء والسمعة فيما ذكرنا كما تقدم فيما قدمنا وفي التحذير عن الحسد الذي ليس بغيرة بل يحب الحاسد ويريد سلب نعمة غيره وذلك الغير لا يفسد بنعمته في أرض الله تعالى وطاعته تعالى بغير الحق والعجب وهو الافتخار على الغير الذي لم يعمل كعمله ونحو ذلك، ففي ذلك مع ما تقدم آيات كثيرة منها قوله تعالى: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون}(1) وقال تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله....الآية}(2) وقال تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراؤون}(3) وقال تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}(4) وهي نزلت في الذي قال أنه يفرح بذكر طاعاته للناس، وقال تعالى: {يراؤون الناس... الآية}(5) وقال تعالى: {ألا لله الدين الخالص}(6) وقال تعالى: {إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار}(7) وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}(8) وأخبار كثيرة من أعظمها: ما روى ابن المبارك بإسناده عن رجل أنه قال لمعاذ: يا معاذ، حدثني حديثا سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبكى معاذ حتى ظننت أنه لا يسكت، ثم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إني محدثك حديثا إن أنت حفظته نفعك، وإن أنت ضيعته ولم تحفظه انقطعت حجتك عند الله عز وجل يوم القيامة، يا معاذ، إن الله خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السماوات والأرض، فجعل لكل سماء من السبعة ملكا بوابا عليها، فتصعد الحفظة بعمل العبد من حين يصبح إلى حين يمسي له نور كنور الشمس حتى إذا طلعت به الملائكة إلى السماء ذكرته وكبرته، فيقول الملك للحفظة أضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا صاحب الغيبة، أمرني ربي أن لا أدع عمل من اغتاب الناس يجاوزني إلى غيري، قال: ثم تأتي الحفظة بعمل صالح من أعمال العباد فبركته وتكبره حتى يبلغ به إلى السماء الثانية، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا به وجه صاحبه، إنه أراد بعمله هذا عرض الدنيا، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنه كان يفتخر على الناس في مجالسهم، قال وتصعد الحفظة بعمل العبد يبتهج نورا من صدقة وصيام وصلاة قد أعجب الحفظة، فيجاوزون به إلى السماء الثالثة، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا به وجه صاحبه، أنا ملك الكبر، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنه كان يتكبر على الناس في مجالسهم، قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهو كما يزهو الكوكب الدري وله دوي كدوي النحل من تسبيح وصلاة وحج وعمرة يتجاوزون به إلى السماء الرابعة، فيقول الملك الموكل بها: قفوا واضربوا به وجه صاحبه، أنا صاحب العجب، إنه كان إذا عمل عملا أدخل فيه العجب أمرني ربي أن لا يجاوزني إلى غيري، قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد حتى يجاوزون [53أ] به إلى السماء الخامسة كأنه العروس المزفوفة إلى أهلها، فيقول الملك الموكل بها: قفوا واضربوا به وجه صاحبه واحملوه على عاتقه، أنا ملك الحسد، إنه كان يحسد من يتعلم ويعمل بمثل عمله وكل من كان يأخذ فضلا من العبادة كان يحسدهم ويقع فيهم، أمرني ربي أن لا أدع عمله أن يجاوزني إلى غيري، قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة فيتجاوزون به إلى السماء السادسة، فيقول الملك الموكل بها: قفوا واضربوا به وجه صاحبه، إنه كان لا يرحم إنسانا قط أصابه بلاء، بل كان يشمت بهم، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء السابعة من صلاة وصيام واجتهاد وورع ونفقة له دوي كدوي النحل معه ثلاثة آلاف ملك، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا به وجه صاحبه واقفلوا على قلبه، إني حجبت عن ربي كل عمل لم يرد به وجهه، إنه كان إذا عمل عملا أراد به رفعة عند العلماء، وذكرا عند الفقهاء، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، وكل عمل لم يكن خالصا صالحا لله فهو رياء ولا يقبل الله عمل المرائي، قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وصيام وحج وعمرة وذكر وخلق حسن تشفعه ملائكة السماوات حتى يقطعون الحجب كلها إلى الله تعالى، فيقفون بين يدي الله تعالى ويشهدون له بالصلاح المخلص لله تعالى، فيقول لهم الله: أنتم الحفظة على عمل عبدي وأنا الرقيب على قلبه إنه لم يردني بهذا العمل وأراد به غيري فعليه لعنتي، وتقول الملائكة: عليه لعنتك ولعنتنا، وتقول السماوات كلها: عليه لعنتك ولعنتنا، قال معاذ: قلت يا رسول الله، أنت رسول الله وأنا معاذ، كيف لي بالنجاة والخلاص؟ قال: اقتدي بي يا معاذ وإن كان في عملك تقصير، وحافظ على لسانك في الوقيعة في إخوانك من حملة القرآن، واحمل ذنوبك عليك ولا تحملها عليهم، ولا تزكي نفسك بذممهم، ولا ترفع نفسك عليهم، ولا تدخل عمل الدنيا في عمل الآخرة، ولا تتكبر في مجلسك لكن تحذو الناس من سوء خلقك، ولا تناجي رجلا وعندك آخر، ولا تتعظم على الناس، ولا تمزق الناس فتمزقك كلاب النار يوم القيامة، قال الله تعالى: {والناشطات نشطا}(1) هل تدري ما هن يا معاذ؟ قلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، ما هن؟ قال: كلاب في النار تنشط اللحم عن العظم. قلت: يا رسول الله بأبي وأمي أنت، من يطيق هذه الخصال؟ ومن ينجو؟ قال: يا معاذ، إنه يسير على من يسر الله له))(2) ، قال: فما رأيت أحدا أكثر تلاوة للقرآن من معاذ لهذا الحديث.
قلت: وهذا من علم العقائد مما يلحق بأصول الدين.
Página 262