ثم أهدى إليه غطاء ذهبيا، وعزم عليه ليتخذنه مكان ذلك الغطاء الرخيص الحقير.
واستجاب الفتى لأخيه شاكرا رفقه به وعطفه عليه، وأقام في مصر ما أقام يحمل على أنفه وأذنيه ذلك الغطاء الذهبي الذي لم يكن رخيصا ولا حقيرا. ولكن عودته إلى أوروبا تتقرر ويغدو على الجامعة ذات يوم فيقرأ عليه كتابان، ثم يروح إلى منزله فيقرأ عليه كتاب ثالث، كان قد حمله البريد صباح ذلك اليوم، وتملأ هذه الكتب الثلاثة قلب صاحبنا غما وهما وبغضا للحياة وضيقا من الناس، وتلقي على نفسه ووجهه غشاء صفيقا من الكآبة ينكره الرفاق.
وينكره علوي باشا رحمه الله حين يراه وهو يركب القطار، ويرى على وجهه هذا الغشاء الكئيب، فيهمس في أذنه: مالي أراك محزونا كئيبا، وقد كنت أقدر أن أراك اليوم أشد ما تكون ابتهاجا وإشراقا، ألا يسرك أن تعود إلى فرنسا؟
ولم يجب الفتى، ولكن دمعتين تنحدران على خديه.
وإذا علوي باشا يضمه إليه، ويقبل جبهته قبلة ملؤها الحنان والبر لم ينسها قط.
ثم يهمس في أذنه: أقسم لك يا بني ما عاد صديقك هذا - يريد الدرعمي - إلى فرنسا إلا من أجلك ... ثق بالله ولا تخف شيئا!
ويمضي القطار وقد سكت البكاء عن الفتى، ولكن هذه الكتب الثلاثة لم تسكت عنه، وإنما رافقته في أثناء سفره كله ملحة عليه بالعذاب، حتى لكانت جديرة أن تبغض إليه نفسه لولا ذلك الصوت العذب كان يناجيه بين حين وحين، فيرد إلى نفسه المروعة شيئا من أمن، وإلى قلبه اليائس شيئا من أمل.
كان أول هذه الكتب الثلاثة من علوي باشا إلى أكبر إخوته ذاك المطربش ينبئه فيه بأن الظروف المالية للجامعة قد فرضت عليها أن ترد بعثتها إلى مصر كارهة، وأنه حريص أشد الحرص على أن يتم أخوه درسه؛ لأنه يتوسم فيه خيرا، ويكره أن يعود قبل أن يحقق أمله من السفر إلى فرنسا، ويقترح عليه أن ترسل الأسرة نصف المرتب الذي كانت الجامعة تمنحه للفتى، ويتبرع هو بالنصف الآخر حتى يبلغ الفتى أربه، ويعود وقد ظفر بالدرجات الجامعية الفرنسية، ويصبح أستاذا في الجامعة.
وكان هذا الكتاب جديرا أن يملأ قلب الفتى سرورا ورضا وشكرا لعلوي باشا، ذلك الذي كان الناس يكثرون الحديث عن حرصه على المال وإشفاقه من إنفاقه في غير موضعه، وهو يتبرع بمقدار من المال في كل شهر ليعين هذا الفتى المكفوف على أن يبلغ من الدرس في أوروبا ما كان يريد.
نعم، كان هذا الكتاب جديرا أن يملأ قلب الفتى سرورا وبشرا وشكرا لذلك الرجل الكريم النبيل، ولكن رد أخيه على هذا الكتاب محا من قلبه كل سرور وكل بشر، وإن لم يمح منه الشكر الدائم والاعتراف بالفضل والجميل لذلك الرجل الكريم. كان رد أخيه بشعا حقا؛ كان يشكر فيه للباشا فضله وكرمه، ويعتذر فيه عن الأسرة بأنها فقيرة لا تستطيع أن تستجيب لما تراد عليه، فمرتبه هو ضئيل لا يبلغ العشرين جنيها، وله بنون ينفق عليهم. ووالده شيخ يعمل على تقدم سنه، ويتقاضى مرتبا لا يزيد على مرتبه هو إلا قليلا، وله بنون آخرون ينفق على تعليمهم في المدارس، وكم كانت الأسرة تتمنى أن تعين هذا المسكين على أن يتم درسه لو وجدت إلى ذلك سبيلا! وهي تطلب إلى الباشا أن يستعين بالسلطان على تعليم هذا البائس، فإن لم يجد إلى ذلك سبيلا فليرده إلى مصر وليستبق رعايته له وعطفه عليه.
Página desconocida