وبينما أنا غارق في الجمال والبهاء والغناء والموسيقى إذا رجل عظيم الهامة طويل القامة أخذ يوقظني، وقال: قم، فاستيقظت من أحلام إلى أحلام، ومن عالم الخيال إلى عالم الخيال، وقال: قد غشتك الأنوار، وأحاطت بك نغمات الأوتار، وتجلى على عقلك نور الحكمة، وارتديت بالوقار، فغشي على عقلك وأحيط بقلبك، فهل تدري ما معنى الغناء وما الشعر الموزون الذي به غنى المغنون؟ فقلت: لا، وأسعدك الله. فقال: ذلك الشعر الدولي، والحب الإلهي، إنا نربي شبابنا على المحبة العامة بحيث نوقظ فيهم عاطفة أخوية، ومحبة جنسية، لينالوا السعادتين، ويفرحوا باللذتين.
فقلت: وهل هذا الغناء ونغمات الموسيقى داعية لمحبة الدول القاصية، والأمم النائية، وإن حال بينكم وبينهم بعد الشقة، وطول المدة، وفصلهم عن أقطاركم جبال عظيمة، وتخوم شاسعة، وسهول رملية، وضروب حجرية.
فقال: إنما مثل الحب في نوعنا العالي الشريف كمثل الكهرباء لا تثور إلا بالعرك، ولا تظهر إلا بالاحتكاك، فالحب نار في الأشجار إن أوريته ظهر، وإن تركته استتر، الحب الإنساني ساكن في القلوب، ثابت في العقول، قائم بالأرواح، وأكثر الناس لا يعقلون، ولا يعرفون، ها أنتم هؤلاء أبرز لكم الحب العام في سائر الأجسام. فقلت: ماذا تريد بالحب العام؟ فقال: الماء والنار والكهرباء والأثير؛ الماء لا يخلو منه هواء في جميع الأجواء، إنه لبخار طائر، وهو رطوبة غائصة في الطين. والنار جزء من الماء، وهو المسمى أكسوجين، وهي جزء من الأحجار في سائر الأقطار والقرى والأمصار. والكهرباء حب لا يذر عنصرا ولا مركبا ولا ماء ولا نباتا ولا جامدا ولا سائلا. والأثير أصل الكائنات وعنصر المركبات، وهو في كل مكان، وفوق كل زمان، الكهرباء ما ظهرت لكم، ولا أمدتكم بالذخيرة والماء، والدولاب والقطار إلا بقوة بحثكم عنها وتفتيشكم في ثنايا المركبات، حتى عرفتم موجبها وسالبها، ومستقرها ومستودعها، فهل تظنون أن الحب يعمكم بلا بحث ولا تنقيب ولا جد ولا تشمير.
أيقن أيها الإنسان الصغير أنه يوم تقوم قائمة المحبة بينكم، وتثور عاطفة القرب في جنسكم تنالون من السعادة والهناء أضعاف أضعاف ما جنيتم من فوائد الكهرباء، ذلك هو اليوم الذي فيه تعقلون، وفي سعادته تفرحون، وتمرحون، وقد آن أوان سعادتكم، واستخراج الحب من فطرتكم، كما استنبطتم الماء، وأوريتم النار من الأحجار، وأثرتم الكهرباء من الزجاج والماء، وأرسلتم البريد في طريق الأثير بلا سلك تنصبونه ولا قدر تغلونه، ولا فحم توقدونه، فأوقدوا اليوم نار قلوبكم، واستخرجوا نور أرواحكم، وهلموا إلى سعادتكم، وقوموا إلى شرفكم وإنسانيتكم، وتمتعوا بحبكم وشمروا عن ساعد جدكم، وكونوا بالعلم والعقل فرحين، حتى تكونوا من أصحاب اليمين، فهذه المغاني التي سمعت، والمعاني التي بها طربت نقدح بها نار المحبة، ونجتلي بها نور المودة، فهذا تفسير ما أطربك تذكرة لك ولقومك فسوف تعقلون.
وهنالك قضى التلاميذ لعبهم، وأتموا رياضتهم، وسمعت رنات مطربة ونغمات مبهجة، فقفل التلاميذ إلى حجراتهم راجعين، ودلفوا إلى أماكنهم فرحين.
فقلت: يا للعجب! هذه الأجراس المدرسية، ذات نغمات شجية من ذات المثالث والمثاني، لتسر نفوس المتعلمين، وترقى بعقول الناشئين.
ثم سمعت نغمات خفية، ورنات شجية، تتخلل الفصول من آن إلى آن، فأخذتني هزة الطرب، وزاد بي العجب، وقلت: ما هذا الجمال والبهاء والحسن.
وهناك كان التعارف بالشيخ الوقور السيد «جامون» بعد طول شوقي إليه، ثم انطلق معي إلى الحجرات فرأينا الأساتذة، إذا آنسوا في التلاميذ سآمة أو مللا أمروا أن يضرب على الأوتار، فيطربونهم ويفرحون، ولدروسهم ينشطون.
فأذكرني ذلك التدريس شعراء الربابة في البلاد الشرقية، فإنهم يطربون السامعين بشعرهم وموسيقاهم، فعلمت أن في الأرض آثارا جهلها المتأخرون، وأن للعلم سبيلا جميلا، وللتعليم طرقا أجل مما عليه أكثر المعلمين، وبالإجمال إن التعليم وصل في مدارسهم إلى درجات عالية، بحيث تعشقه النفوس، وتألفه العقول، كما تألف الغذاء والغناء .
فهذا ما فهمته فيما رأيته وسمعته، فلما أن خرجنا من المدرسة، والدروس قائمة في أوقات العمل، مشى ومشيت في رحباتها، وباحات بساتينها الباسقة الأشجار، الزهية الأفنان، إذا عامل من عملة البستان أرسله الناطور إلى روضة ليسقيها بالماء، فآنست شجرة ورد زاهرة الزهور، وأغصانها الخضر النضرات، المحلاة بأوراقها الزبرجدية، وأقراطها العقيقية كأنها تتقدم إلي بالزهرات الوردية.
Página desconocida