ولما عاد الرجل المتظلم إلى المنصور يشكره، قال له:
قد انتصفت أنت، فاذهب لسبيلك، وبقي انتصافي أنا ممن تهاون بمنزلتي.
وعاقب الفتى وعزله.
ما ثبت سلطان هذا الرجل الطماح المتسلط المقدام إلا بهذا العماد من العدل والإنصاف، وإيثار الحق على نفسه وخاصته.
وكان له فصاد، فاحتاج له يوما، فقيل له: إنه في حبس القاضي؛ لحيف كان منه على امرأته. فأمر المنصور بإخراجه مع رقيب من رقباء السجن ليفصده ثم يعود إلى محبسه. وشكا الرجل إلى المنصور ما ناله من القاضي، فقال: يا محمد، إنه القاضي، وهو في عدله، ولو أخذني الحق ما أطقت الامتناع عنه، عد إلى محبسك أو اعترف بالحق؛ فإنه هو الذي يطلقك.
فمن يسأل عن ملك العرب والمسلمين كيف ثبت هذه الحقب الطويلة على أعاصير الخطوب؟ ففي هذا وأمثاله جواب!
5
وكان على كثرة مشاغله ذا عناية بالأدب والعلم، يجتمع العلماء والأدباء كل أسبوع ويتناظرون في حضرته، ويمدحه الشعراء.
وكان - رحمه الله - دينا متألها ورعا، كتب بيده مصحفا كان يحمله في أسفاره، وجمع ما علق بثيابه من غبار الحرب وأوصى أن يجعل في حنوطه إذا مات، كما فعل أمير العرب ابن حمدان من قبله: صنع من غبار الوقائع لبنة لتوضع في قبره تحت رأسه، واتخذ المنصور كفنه من مال موروث من أبيه، ومن غزل بناته اتقاء للشبهة، وتورعا أن يكون في أكفانه مال يرتاب فيه!
6
Página desconocida