372

فليس منه) أي: ليس مما تعلق فعل المشيئة فيه بمفعوله غريب، حتى يكون حذف مفعول مفعوله ملبسا؛ إذ ليس التقدير: ولو شئت أن أبكي تفكر بكيت تفكرا؛ إذ البلاغة في مقام المبالغة في أنه لم يبق فيه غير التفكر أن يقول: لو شئت البكاء بكاء أي شيء كان؛ لبكيت تفكرا، لا أن تقول: وإن شئت أن # أبكي تفكرا بكيت تفكرا، لا لما قال الشارح من: إنه لا يترتب على قوله: فلم يبق مني الشوق إلخ: لأن بكاء التفكر ليس سوى الأسف والكمد، والقدرة عليه لا يتوقف على أن لا يبقى فيه غير التفكر، بخلاف عدم القدرة على البكاء الحقيقي، بحيث يحصل بدل الدمع التفكر، فإنه يتوقف على أن لا يبقى فيه غير التفكر لظهور ترتبه؛ لأن بكاء التفكر، وإن لبس إلا الكمد والحزن من العين لا يمكن، إلا إذا لم يكن فيه دمع، بل لأنه كم بين المعنيين، فليس الاشتباه إلا بحمل الشعر على المعنى المرجوح، ومثله لا يكاد يليق لدفع الاشتباه، فكيف للاشتباه؟ ولا يخفى ذلك على أهل الانتباه، ولعمري حل هذا المقام، على هذا الوجه النظام؛ لحرى بأن يوصى باغتنامه الكرام، وقد حرم منه أقوام من الفحول بعد أقوام، والله يهدي من يشاء باللطف والإلهام، لكن كلام الإيضاح يشعر بأن معنى قوله: ليس منه، أنه ليس مما يصلح أن يكون الجزاء فيه تفسيرا لمفعول المشيئة، فيكون إشارة إلى ما قال الشيخ في دلائل الإعجاز، وأورده المصنف في الإيضاح؛ لتوضيح قوله (لأن المراد بالأول البكاء الحقيقي) حيث قال: لأنه لم يرد أن يقول: لو شئت أن أبكي تفكرا لبكيت تفكرا؛ بل أراد أن يقول: أفناني النحول، فلم يبق مني غير خواطر تجول في حتى لو شئت البكاء، فمريت جفوني وعصرت عيني؛ ليسيل منها دمع لم أجده، ولخرج منها بدل الدمع التفكر، فالمراد بالبكاء في الأول الحقيقي، وفي الثاني غير الحقيقي، فلا يصح تفسيرا للأول، والعجب أن الشارح مع تذكره لكلام الشيخ في هذا المقام ولما في الإيضاح؛ فسر قوله: فليس منه، بقوله، أي: مما ترك فيه حذف مفعول المشيئة بناء على غرابة تعلقها به على ما يسبق إلى الوهم، ووقع فيه صاحب الضرام، ومنهم من جعل قوله: وأما قوله: ناظرا إلى قوله: كما في فعل المشيئة، لا إلى قوله: بخلاف، وجعل المراد منه: أن حذف مفعول أبكى ليس للبيان بعد الإبهام، بل لأمر آخر؛ لأن قوله: لبكيت تفكرا، لا يصلح بيانا لمفعول أبكى؛ لأنه ليس التفكر، ولا يرده التأمل في سابق الكلام والتدبر فيه، إلا أنه ليس التفكر مما تتداوله الألسن في هذا المقام، فقول الشارح: إنه ناشئ من سوء التأمل، وقلة التدبر ليس بذلك (وإما لدفع توهم إرادة غير المراد ابتداء) إما قيد للدفع، أي: الدفع قبل حدوثه، فإن التوهم في حز اللحم إنما # يحدث بعد سماعه، أو قيد للتوهم، أي: توهم يحدث في ابتداء الكلام، فأريد منع حدوثه، وإن كان يدفعه آخر الكلام، وبالجملة المناسب البليغ لمنع توهم إرادة غير المراد، لأن الدفع للحادث والمنع لما هو بصدد الحدوث، ومع ذكر المنع لا حاجة إلى قوله: ابتداء، فهو أخصر أيضا (كقوله) أي: البحتري [وكم ذدت] دفعت [عني من تحامل حادث] في الشرح: كم خبرية مميزها تحامل حادث فصل بينهما بفعل متعد، فزيد من؛ لئلا يتلبس بمفعول ذلك المتعدي؛ لأنه إذا فصل بين كم الخبرية ومميزه يكون منصوبا، لامتناع إضافته إلى التمييز، وما ذكره موافق لقول النحاة، وفيه أنه إنما يندفع به الالتباس على مذهب غير الأخفش والكوفيين، فإنهم لما جوزوا زيادة «من» مطلقا لا يعلم أنه زيد على المفعول أو التمييز، وبهذا يعلم أن الضابط لزيادة «من» ليس مجرد عدم الإيجاب، بل هو، أو كون المزيد فيه تمييزا لكم الخبرية، فصل بينه وبين كم بفعل متعد، ونحن نقول: يحتمل أن يكون كم استفهامية محذوفة المميز، أي: كم مرة أو زمانا، ويكون زيادة من في المفعول، لأن الكلام غير موجب، والاستفهام لادعاء الجهل بعدده؛ لكثرته مبالغة في الكثرة، وفيه الاستغناء عن الفصل بين كم ومميزه:

وسورة أيام حززن إلى العظم (¬1)

Página 521