318

ونحن نجيب: بأن القالع يحكم عليه بالبطلان، فقطع المسافة الطويلة لقوة هذا القاسر، فإذا بلغ مرتبة الباطل يسترجع عنه بالتنزيل إلى مقام المشكوك (نحو: أفنضرب عنكم الذكر صفحا) أي: نهملكم، فنصرف عنكم القرآن، وما فيه من الأمر والنهي، والوعد والوعيد؛ إعراضا أو للإعراض، أو معرضين (أن كنتم قوما مسرفين) (¬1) فيمن قراء إن بالكسر، فإن الشرط، وهو كونهم مسرفين، أي: مشركين مقطوع به، لكن جيء بلفظ «إن» لقصد التوبيخ على الإسراف، وتصوير أن الإسراف من العاقل في هذا المقام يجب أن لا يكون إلا على مجرد الفرض والتقدير؛ لاشتمال المقام على الآيات الدالة على إن الإسراف مما لا ينبغي أن يصدر عن العاقل أصلا، ولاستعمال إذا في مقام التوبيخ مناسبة عظيمة الواقع؛ لعلها تكون كريمة عند البليغ في إشعاره تحقق وقوع الأمر هو عاد تأكيد للتوبيخ، وربما بتحقق التصوير بدون التوبيخ، كما في قولك: إن كان فلان أباك، فلا تؤذه؛ لأن فيه إن اشتمال المقام على صدور الإيذاء من المخاطب يقلع الشرط عن أصله، لكن لا توبيخ على وقوع الشرط، وإنما قال: فيمن قرأ بالكسر اتباعا لمذهب البصري، وإلا فالكوفي يجعل أن المفتوحة كإن للشرط، والبصري يجعله في تقدير «لإن» ويحذف الجار من «إن» قياسا ولا يخفى أن توفيق القراءتين يستدعي أن يجعل المكسور بمجرد السيئة تجريدها عن الشك (أو تغليب غير المتصف به) أي: بالشرط (على المتصف) (¬2) وهو ظاهر قول المفتاح، وإما لتغليب غير المرتابين ممن خوطبوا على مرتابيهم، وقد صرح المصنف في الإيضاح بأن المراد بغير المرتاب ظاهره لا غير معلوم الارتياب، حيث قال: فإنه كان فيهم من يعرف الحق، وإنما ينكر عنادا، فلا يصح حمل قوله غير المتصف على غير معلوم الاتصاف، ليكون المعنى: أو تغليب غير المقطوع باتصافه بالشرط على # المقطوع به، كما ذكره الشارح المحقق، وتبعه السيد السند لدفع إشكال ظناه، وأراد لولا هذا التأويل وهو: أن تغليب غير المتصف به على المتصف به بجعل الشرط قطعي اللاوقوع بالنسبة إلى الجميع، فلا يصح بذلك استعمال «إن»، بل يصير المقام مقام لو، بل يجب انتفاؤه على ظاهره، ودفع الإشكال بأنه لو غلب المتصف على غير المتصف؛ لصار المقام مقام إذا، ففي العكس يصير المقام مقام «إن» أو لو، ولكل منهما ترجح من وجه على الآخر، كما نبهناك عليه، فتعارف في مقام تغليب غير المتصف على المتصف استعارة «إن» نعم، يمكن حمل عبارة المفتاح على ما حملاه، لكن عنه مندوحة بما ذكرنا، فكن معنا، ولا تكن في ريب، واجتنب من ربقة التقليد، فإنه أفحش عيب، وقد أطال في هذا المقام كلام الشارح المحقق والسيد السند في تزييف ما قيل في الدفع، وهو أضعف من كل ضعيف، فلم ترض بأن نمتزج به هذا البحث الشريف وطويناه على غره؛ إذ ليس نفعه كضره.

(وقوله تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا يحتملهما) لكن على الأول الخطاب لمجرد المرتابين؛ لأنهم الموبخون على الريب، وعلى الثاني الخطاب بمجتمع من المرتابين وغير المرتابين (والتغليب يجري في فنون) (¬1) أي:

أنواع (كثيرة) (¬2) جريان المقسم في الأقسام، والمقصود أنه أنواع كثيرة، ونبه بإطلاق الأنواع على أنها لم تدخل تحت الضبط والحصر والوظيفة، فيه ذكر عدة منه، ليتمكن الطالب من اعتباره، لكن ينبغي أن يعلم أنه يغلب الأكثر على الأقل، والأشرف على الأخس، إلا أن يكون لفظ الأعلى أثقل، أو كان مؤنثا مع تذكير الأدنى، فيغلب ما لفظه أخف، كالعمرين؛ أو يكون مذكرا كالقمرين، ويغلب المتكلم على المخاطب، والغائب والمخاطب على الغائب من غير عكس، وإن كان الغائب أكثر أو أشرف من المخاطب، والمخاطب أكثر وأشرف من المتكلم، منها تغليب الذكور على الإناث.

Página 464