لم يصح هذا التركيب؛ لأن تصويب المخاطب يقتضي أن يكون إنسان غير المتكلم قد رأي كل واحد وهو ظاهر البطلان، أو لأن التخصيص يقتضي أن يكون المخاطب معتقدا أنك رأيت كل أحد، ولا يتصور هذا الاعتقاد لعاقل، ويمكن أن يقال: لأن تصويبك المخاطب يقتضي أن يكون معتقدا أن إنسانا غيرك رأى كل أحد، وأن يكون في مقام الرد طامعا أن يعتقد المخاطب ذلك، وعلل المصنف ذلك بأنه يجب إثبات المنفي بعينه للغير، والمنفي هناك الرؤية الواقعة على كل أحد، وأورد عليه الشارح المحقق أن ذلك منه، بل المنفي الرؤية الواقعة على فرد من أفراد الناس، ولا يلتبس أحدهما بالآخر عند من لا يلتبس عليه السلب الجزئي بالسلب الكلي، ثم بين ذلك، بأن تقديم المسند إليه بإيلائه حرف النفي يفيد إثبات المنفي للغير على وجه نفي: إن عاما فعام وإن خاصا فخاص ناقلا ذلك عن الشيخ، ولا يخفى أنه يمكن رد ما قاله المصنف إلى ما ذكره بحمل قوله؛ لأن المنفي هو الرؤية الواقعة على كل أحد على السلب الكلي دون الإيجاب الجزئي، لكن هذا التوجيه يوجب اختلال المتن؛ لأن قوله: ولهذا لم يصح ما أنا رأيت أحدا حينئذ يكون تعليلا لما لم يذكر؛ لأنه تعليل لكون التركيب لإسناد المنفي لغير المسند إليه على وجه نفي، وهو غير مذكور بل لم يذكر؛ إلا أن التقديم يفيد التخصيص بنفي الخبر الفعلي، وأيضا تخصيص النفي لا يفيد إلا ثبوت ما نفي عن المتكلم بغيره، وهو رؤية أحد لا بعينه لا رؤية كل واحد حتى يلزم ثبوتها للغير، فاللازم ثبوت رؤية أحد لا بعينه للغير وكيف لا وإفادة التقديم التخصيص بالفحوى لا بالوضع حتى يصح أن يقال: إنه في عرف البلغاء لهذا المعنى، والمفهوم من الفحوى ليس إلا هذا القدر، وأيضا لو كان المفاد إثبات المنفي على وجه نفي لكان: ما أنا رأيت كل أحد للإيجاب الجزئي للغير، لأن السلب فيه على الوجه الجزئي مع أنهم لم يفرقوا بين: ما أنا رأيت أحدا، وما أنا رأيت كل أحد، فمعنى كلام الشيخ أن المثبت هو المنفي على وجه نفي، وكان # عليه حين تعلق النفي لا بعد التعلق النفي، نعم ينفيه ما قاله: إنه لا يصح أن يقال: ما أنا قلت شعرا؛ لأنه يقتضي أن يكون إنسان قد قال كل شعر في الدنيا، لكن تأويله أن التمثيل به يجعل: قلت شعرا للعموم لما أن النكرة ربما يكون في الإثبات عامة نحو: تمرة خير من كسرة، فكما أن قولك: ما تمرة خير من كسرة لرفع الإيجاب الكلي دون السلب الكلي، فكذلك: ما أنا قلت شعرا في هذا المقام، ولا مناقشة في التمثيل، وما يورد لتصوير الشيء وتوضيحه، وقس عليه قوله: ما أنا رأيت أحدا، واستغن به عن دعوى أنه سهو الكاتب، والصواب: ما أنا رأيت كل أحد، وعما قيل: أن لفظ أحد بمنزلة كل أحد، لما أنه في الإيجاب لا ينفك عن الكل، إذ لم يكن همزته مبتدلة عن الواو كما في أحد عشر، أو لأنه يصح استعماله بمعنى الجمع كما صرح بهما أئمة اللغة، فليحمل على معنى الآحاد المستغرقة لكل أحد؛ لأنهما مع ضعف الأول وبعد الثاني لا يجريان فيما أنا قلت شعرا.
هذا غاية ما بذلنا الجهد في تحقيق الكلام، وقال السيد السند: إن التفصيل هاهنا أن يقال: إن كان النزاع في رؤية واقعة على شخص معين، كزيد مثلا يقال: ما أنا رأيت زيدا، فيكون هناك من رأى زيدا وهو ظاهر، وإن كان في رؤية واقعة على أحد لا بعنيه يقال: ما أنا رأيت الأحد من الناس، أو ذلك الأحد فإنه وإن كان غير معين، لكنه معهود من حيث تعلق الرؤية به فحقه أن يشار إليه بذلك الاعتبار، ولا يصح أن يقال هاهنا: ما أنا رأيت أحدا؛ لأنه في قوة قولك: ما أنا رأيت زيدا، ولا عمرا، ولا بكرا إلى غير ذلك في إفادة نفي الرؤية بالنسبة إلى كل واحد من المفاعيل، وإن اختلفا في الظهور والنصوصية، فيبقى عموم نفي الرؤية لكل واحد منها ضائعا؛ لأن الفعل المثبت في اعتقاد المخاطب متعلق منسوب إلى واحد، فلا يحتاج في رد خطئه في الفاعل إلى نفيه عن كل واحد، وإن كان النزاع في رؤية واقعة على كل أحد فهناك عبارتان إحداهما: أن يقال: ما أنا رأيت كل أحد، والثانية: ما أنا رأيت أحدا، وهذه أخصر من الأولى.
Página 376