171

Preferí la libertad

آثرت الحرية

Géneros

سألته: «من ذا الذي علق هذه اللافتة؟» - «رئيس نقابة العمال المنوط به قسمنا.» - «انزعها فورا وأرسلها إلى مكتبي.» - «لا أستطيع يا رفيقي كرافتشنكو، فلو فعلت ذلك لجلبت على نفسي المشكلات.» - «قل له: إن الأمر أمري وأنا متحمل تبعته.»

وأزيلت اللافتة المسيئة، لكنه لم يمض على ذلك بضع دقائق حتى جاءني عدد من موظفي نقابة العمال ومن متهوسي الحزب، فتزاحموا حولي، وأخذوا جميعا يتكلمون في وقت واحد، يتهمونني بتعطيل «التربية السياسية» وتشجيع التدهور، كما يتهمونني بأنني «أهدم نفوذ النقابة والحزب»، وهددوا بأنهم رافعون شكاتهم مني إلى خاركوف بل إلى موسكو.

قلت: «هذا جد جميل يا رفاق، اشكوا ما رضيت نفوسكم بالشكوى، أما من وجهة نظري فأنتم الذين تتهمون بالتعطيل بما تقدمون من إساءة إلى رجالي، وبما تهدمون من قوة العمال المعنوية، أنا رئيس هذا المكان، وأجدر بكم أن تعاونوني بدل أن تعاكسوني، ولأقلها لكم كلمة قبل أن أنساها: إن بعضكم كان يجب أن يكون الآن عاملا بدل الوقوف ها هنا مجادلين.»

ولما تقدم ذلك النهار أرسل «كوزلوف» يطلب حضوري، فقد وصلت إليه الشكاوى التي قدمت في شأن «ماكايف»، وإنه في رأيهم لخطر «عظيم»، فعرضت رأيي وسرني أن أراه موافقا لوجهة نظري، ووعد أن يكون ظهيري إذا ما استثارت حماقة هؤلاء الناس بعض الدوائر العليا، وشاع الخبر بأني أقف إلى جانب العمال ضد متهوسي السياسة، فأشاع في النفوس هزة رفعت مكانتي في قلوب العمال، لكن كان ذلك مسيئا إلى من شئت من الموظفين ومن رجال الحزب ذوي النفوذ.

وحدث كذلك حادث استنفد من وقتي ومجهودي عدة أسابيع، وذلك أن عطبت آلة من صناعة ألمانية، وشق علينا أن نستبدل بالجزء المكسور جزءا جديدا، فتعطل جانب من مصنعي عن عمله ثلاثة أيام أو أربعة، فدهم القسم من جديد رجال الشرطة و«أصحاب السلطان» من ذوي الوجوه الجاهمة.

ودرست الحالة دراسة صورت لي الأمر على حقيقته تصويرا سرعان ما انتهيت إليه، فقد حدث أثناء الليل، وكان الضوء رديئا، ولا بد أن يكون أحد العمال قد تناول خطأ قطعة من الصلب لم تكن هي القطعة التي قصد إلى تناولها، فقد كانت الآلة معدة لنوع من الصلب يكون ما فيه من الكربون قدرا ضئيلا، أما إذا وضع فيها صلب يحتوي من الكروميوم على 18 إلى 20 في المائة، ومن النيكل على اثنين في المائة، فإنها تصاب بالعطب، هذا هو الأمر على حقيقته ولم يكن ثمة من لغز عويص.

لكن القسم الاقتصادي لم يقتنع بسلامة تعليلي لما حدث، فقد كان لا يزال يتعقب ما توهمه من مؤامرات التخريب التي لم يتمكن بعد من ضبطها، فراح يحلل الصلب على النحو الذي يرضيه، ويستجوب عشرات من العمال، ويستدعي الإخصائيين من خارج المدينة، ويحصل على تقارير من أستاذ التعدين في معهد دنيبروبتروفسك، وبدا هذا الإجماع على رأي واحد في التقارير «غريبا» في رأي الشرطة، ترى ماذا تكون «وجهة النظر السياسية» التي يعتنقها هذا الأستاذ الذي اتفق مع كرافتشنكو؟ أيكون بينهما صلة من التعارف ؟ فعدت من جديد أنفق الليالي الطوال في جدال كنت فيه على حذر؛ لأن أية كلمة أنطق بها غافلا، أية هفوة من هفوات اللسان، قد يكون مؤداها أن تعود بالخراب على مهندس أو عامل، ولا أقول على نفسي، وحاول «جرشجورن» هذه المرة أيضا كما حاول في المرات السابقة أن يضيق نطاق الاتهام بحيث يحصره في «دوبنسكي»، لكني دافعت عن هذا الميكانيكي في كل موضع من مواضع الحديث.

وجاءني أمر مستعجل بصناعة أنابيب لا يأتيها الصدأ، وكان الأمر مذيلا بإمضاء «أورزنكدز»، ولم يكن مصنعنا معدا لمثل هذا الأمر، ولم تكن لنا خبرة بمثل هذا النوع من العمل، فقبلناه بعد أن أنذرنا أولي الأمر ألا يتوقعوا منا في هذا الصدد أكثر مما ينبغي، فأرسلت لنا من موسكو فرقة تعيننا على ذلك قوامها رجال خبروا هذا الضرب من ضروب الأنابيب، كما خبروا الصناعة الكيميائية التي طلبت من أجلها هذه الأنابيب، وكان بين رجال تلك الفرقة إخصائي في التعدين اسمه «تيموشنكو»، وهو رجل نحيل صغير السن، يلبس منظارا وقد أخذ الشيب يدب في شعره، وخيل إلي أنه في حالة من الذعر المتصل، وقيل لي إنه ابن أستاذ مشهور يسمى بهذا الاسم، كان وقتئذ يعيش ويحاضر في الولايات المتحدة.

وكان العمل بطيء الخطى بادئ ذي بدء كما توقعنا له أن يكون، ولم يكن مما أنتجناه أول الأمر من هذه الأنابيب أكثر من 10 في كل مائة يصلح للاستعمال، بل مرت أيام كان كل ما أنتجناه خلالها معيبا، وجاءنا خبراء من نواح كثيرة ليرشدونا، وعقدنا اجتماعات كثيرة فبحثنا خلالها درجة الحرارة ومقدار السرعة في السير في العمل، وأنماط الصلب وأنواع الالتحام، وكان كلنا حريصا على أن ينجز ما أمرنا بصناعته، قلقا لما أصابنا من تعطل، فمهما يكن من أمر العقيدة السياسية التي نكنها في صدورنا، فقد أحسسنا جميعا أن ستالين قد يجيء وستالين قد يمضي، أما الروسيا فباقية إلى الأبد، وما هو الآن معرض أمامنا للخطر، إنما هو مستقبل الروسيا الصناعي، أما ما كان يعنى به المخبرون الذين تكاثر علينا عديدهم، فهذا شيء واحد فقط: ماذا عسى أن يكون هناك من عوامل التخريب الخافية؟

وانتهى بنا الأمر إلى حل مشكلاتنا الفنية، ووفقنا في صناعة الأنابيب التي لا تصدأ بحيث صادفت قبولا لدى «جماعة كيمورفو الكيميائية»، ووزعت مكافآت طيبة علينا جميعا، غير أن «جرشجورن» وزملاءه ظنوا أنهم قد وقعوا على فريسة فثبتوا فيها أنيابهم لا يدعونها تمضي، وكانت الفريسة بالطبع هي «تيموشنكو» الشاب ومعه طائفة من المهندسين أرسلتهم الشركة الصناعية إلى خاركوف، فحدث ذات مساء أثناء جلسة عاصفة انعقدت في منتصف الليل، أن أخذ «جرشجورن» يصب لهيب غضبه على رأسي المكدود، فلماذا أقف موقف «الحامي من ابن وغد عاق لحزبه؟ ألم أعلم أن «تيموشنكو» كان على اتصال بأبيه الذي أسلم ما عنده للرأسماليين؟»

Página desconocida