292

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

Géneros

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- مَسْأَلَةٌ) مَا صِحَّةُ القَوْلِ الَّذِيْ اشْتُهِرَ عَنِ المَرْأَةِ الصَّالِحَةِ - رَابِعَةَ العَدَوِيَّةِ (١) - وَهُوَ: (اللَّهُمَّ إِنِّيْ مَا عَبَدْتُكَ خَوْفًا مِنْ نَارِكَ وَلَا طَمَعًا فِي جَنَّتِكَ، وَلَكِنْ لِأَنَّكَ رَبٌّ تَسْتَحِقُ العِبَادَةَ)؟ (٢)
الجَوَابُ: هُوَ كَلَامٌ مَرْدُوْدٌ، مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، خَارِجٌ عَنِ اعْتِقَادِ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَوْجُهٍ - وَاللَّبِيْبُ تَكْفِيْهِ الإِشَارَةُ -:
١) أَنَّ اللهَ تَعَالَى بيَّنَ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الإِيْمَانِ المُقَرَّبِيْنَ أَنَّهُم يَعْبُدُوْنَ اللهَ تَعَالَى طَمَعًا فِي الجَّنَّةِ وَخَوْفًا مِنَ النَّارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُوْنَ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُوْنَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِيْنَ﴾ (الأَنْبِيَاء:٩٠). (٣)

(١) قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي السِّيَرِ (٢٤١/ ٨): (هِيَ رَابِعَةُ العَدَوِيَّةُ؛ أُمُّ عَمْرٍو بِنْتُ إِسْمَاعِيْلَ؛ العَتَكِيَّةُ؛ البَصْرِيَّةُ؛ الزَّاهِدَةُ؛ العَابِدَةُ؛ الخَاشعَةُ، (ت ١٨٠هـ).
قَالَ أَبُو سَعِيْدٍ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ: أَمَّا رَابِعَةُ، فَقَدْ حَمَلَ النَّاسُ عَنْهَا حِكْمَةً كَثِيْرَةً، وَحَكَى عَنْهَا سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ وَغَيْرُهُمَا مَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ مَا قِيْلَ عَنْهَا، وَقَدْ تَمَثَّلَتْهُ بِهَذَا: (وَلَقَدْ جَعَلْتُكَ فِي الفُؤَادِ مُحَدِّثِي ... وَأَبَحْتُ جِسْمِيَ مَنْ أَرَادَ جُلُوْسِي)، فَنَسَبَهَا بَعْضُهُم إِلَى الحُلُوْلِ بِنِصْفِ البَيْتِ، وَإِلَى الإِبَاحَةِ بِتَمَامِهِ.
قُلْتُ (الذَّهبيُّ): فَهَذَا غُلُوٌّ وَجَهْلٌ، وَلَعَلَّ مَنْ نَسَبَهَا إِلَى ذَلِكَ مُبَاحِيٌّ حُلُوْلِيٌّ، لِيَحْتَجَّ بِهَا عَلَى كُفْرِهِ). بِاخْتِصَارٍ يَسِيْرٍ.
وَقَالَ ﵀ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ (مِيْزَانُ الاعْتِدَالِ) (٦١/ ٢) - عِنْدَ تَرْجَمَةِ رِيَاحِ بْنِ عَمْرٍو القَيْسِيِّ -: (قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الآجُرِّيُّ: سَأَلْتُ أَبَا دَاوُد عَنْهُ فَقَالَ: هُوَ وَأَبُو حَبِيْبٍ وَحَيَّانُ الجُرَيْرِيُّ وَرَابِعَةُ - رَابِعَتُهُم فِي الزَّنْدَقَةِ -).
وَقَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ) (٦٣٣/ ١٣): (وَتَكَلَّمَ فِيهَا أَبُو دَاودَ السِّجِسْتَانِيُّ؛ وَاتَّهَمَهَا بِالزَّنْدَقَةِ، فَلَعَلَّهُ بَلَغَهُ عَنْهَا أَمْرٌ).
(٢) وَقَرِيْبٌ مِنْهُ مَا نَقَلَهُ الأَصْبَهَانِيُّ فِي الحِلْيَةِ (١٣٤/ ٣)، وَغَيْرُهُ فِي تَرْجَمَةِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ ﵀، فَقَالَ عَنْهُ - بَعْدَ ذِكْرِ الإِسْنَادِ وَبَعْضٍ مِنْ مَقَالَاتِهِ -: (إِنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ العَبِيْدِ، وَآخَرِيْنَ عَبَدُوْهُ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَقَوْمًا عَبَدُوا اللهَ شُكْرًا فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأَحْرَارِ).
قُلْتُ: وَفِي الإِسْنَادِ أَحْمَدُ بْنُ الصَّلْتِ؛ قَالَ عَنْهُ الزِّرِكْلِيُّ فِي كِتَابِهِ (الأَعْلَامُ) (١٣٨/ ١): (أَحْمَدُ بْنُ الصَّلْتِ الحِمَّانِيُّ؛ مُؤرِّخٌ؛ مِنَ الأَحْنَافِ صَنَّفَ (مَنَاقِبَ الإِمَامِ الأَعْظَمِ أَبِي حَنِيْفَة)، وَلِلمُؤَرِّخِيْنَ كَلَامٌ فِي اتِّهَامِهِ بِالوَضْعِ).
وَقَالَ عَنْهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي المِيْزَانِ (١٠٥/ ١): (هَالِكٌ).
(٣) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيْرِ (٥٢١/ ١٨): (وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَيَدْعُوْنَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ يَقُوْلُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَانُوا يَعْبُدُوْنَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا، وَعَنَى بِالدُّعَاءِ فِي هَذَا المَوْضِعِ العِبَادَةَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُوْنَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ (مَرْيَم:٤٨)، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿رَغَبًا﴾ أَنَّهُم كَانُوا يَعْبُدُوْنَهُ رَغْبَةً مِنْهُم فِيْمَا يَرْجُوْنَ مِنْهُ مِنْ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ، ﴿وَرَهَبًا﴾ يَعْنِي رَهْبَةً مِنْهُم مِنْ عَذَابِهِ وَعِقَابِهِ؛ بِتَرْكِهِم عِبَادَتَهُ ورُكُوْبِهِم مَعْصِيَتَهُ).

1 / 292