أما بخيت فأخذ يقبل الأرض ويفتح يديه نحو السماء قائلا: نشكر الله تعالى على هذه المنة، فإذا مت أنا الآن أموت قرير العين، طيب القلب. وتقدم إلى يدي شفيق وقبلهما، ولم يعد يدري ماذا يقبل فيه: أيديه، أم كتفيه، أم صدره، أم ظهره، أو وجهه، وأما أحمد فهم إلى يديه، وأخذ يقبلهما ظهرا وبطنا وهو يقول: الحمد لله على السلامة، يا سيدي، الحمد لله على السلامة.
ثم نهض الشيخ الكبير وتقدم إلى حفيده وقبله بدموع الفرح، وكذلك امرأته وامرأة الباشا، وكانوا قد اشتغلوا في بادئ الرأي بملاحظة عواطف الوالدين، ثم انتصب الشيخ واقفا وقد امتلأت عيناه بدموع الفرح وقال: هلم بنا يا أولادي أن نسجد ونشكر الله - تعالى - على هذه المنة العظيمة التي وهبنا إياها، وكيف أنه جمع شتاتنا من أقاصي العالم. فشاركه الجميع في ذلك. وبعد الصلاة، جلسوا يقصون أقاصيصهم، وكانت حكاية شفيق أغرب الحكايات، وما زالوا كذلك إلى الصباح، فاتفقوا جميعا على المسير إلى بعلبك يقضون فيها ذلك النهار، ويشاهدون قلعتها الشهيرة العجيبة البناء ، ثم يسافرون معا إلى بيروت، ثم إلى مصر.
وبدل إبراهيم وامرأته ثيابهما السوداء بثياب بيضاء، وهندم إبراهيم شعره، وانقشعت العبوسة عن وجهه.
أما الباشا فما برح كل ذلك الليل يفكر في أمر عزيز وما يترتب على مجيئه في الغد، وبعد طول الافتكار، قرر في ذهنه أن عزيزا يستحق كل قبيح؛ لأنه خائن ذميم، ومهما أصابه فلا أسف عليه، ولم يعد يهمه شيء منه؛ لأنه أصبح المالك لكل أملاكه بمقتضى صك مسجل لا يغيره شيء.
وفي الصباح، خرج شفيق إلى العسكر الذين كانوا معه وأنقدهم أجورهم، وأثنى على همتهم، ثم ركب مع سائر العائلة في العربتين، وساروا قاصدين بعلبك فوصلوها في الضحى، فنزلوا في فندق هناك، ثم تجولوا لمشاهدة آثارها، وقضوا بقية ذلك النهار في الجولان من مكان إلى آخر يسرحون الطرف بمناظر تلك السهول الخصبة التي قد كساها الربيع حلة خضراء، وما زالوا إلى المساء، فعادوا مارين بحجر الحبلى الهائل الذي يقتضي لحمله ستة آلاف رجل في يد كل منهم مخل. والحجر المشار إليه منحوت معد للبناء، وفي القلعة كثير من مثل هذا الحجر يعجب الناظر لعظمها، ولا يفهم كيف استطاعوا نقلها.
أما بخيت، فإنه بقي راقدا في سريره وقاية لجراحه، فسمع في أصيل ذلك النهار رجل يعرفه، فتحققه فإذا هو صوت عزيز، فخفق قلبه خفوق الفرح، فود لو أنه يأتي إليه لكي يخبره بمجيء شفيق، والتقاء سائر العائلة بخير؛ ليرى ماذا يظهر منه.
فدخل عزيز حجرة بخيت وهو لا يدري، وحالما وقع نظره عليه تعجب من رقاده في منتصف النهار، فتقدم إليه وسأله عن سبب ذلك فأخبره أنه أصيب بجرح من اللصوص الذين سطوا عليهم في وادي القرن.
فبغت عزيز وقال: وكيف نجوتم منهم؟ وهل أصاب فدوى سوء؟
فضحك بخيت وقال: نعم، إننا وصلنا إلى أشد الخطر، وقد نجونا بهمة ذلك البطل الصنديد، والشهم المجيد.
قال عزيز وقد خفق قلبه: ومن هو هذا البطل؟
Página desconocida