فنهضت عن السرير إلى أرض الغرفة قائلة: حاشا لله! إن جميع منومي العالم لا يمكنهم أن يحببوني بهذا النذل الخائن، وإذا مت فإن ترابي لا يحبه، ولا يمكن أن يحبه.
فقال: إن فعل الاستهواء غريب يا سيدتي، ولكنني أعلمك أنك تستطيعين رفض النوم؛ لأن والدك سيدعي أن ذلك الطبيب إنما جاء لتطبيبك؛ فتظاهري أنك بخير لا تحتاجين إلى طبيب، وذلك كاف، والأفضل - على ما أرى - أن تطلبي السفر من هذه المدينة لترويح النفس، فإن الأطباء قد أشاروا بذلك في الشتاء، ولم تكن الطريق مفتوحة لكثرة الثلوج، وأما الآن فقد جاء الربيع، وإن الجولان في لبنان لما تتوق إليه النفس، وينشرح له الصدر، وأظنك إذا أظهرت السلوى والإذعان لا يعود ثم داع لاستجلاب المنوم.
قالت: لقد نطقت بالصواب، فارجع هذا الكتاب إلى ما بين أوراق والدي لئلا يعلم باطلاعنا عليه، واخرج خارجا وأنا أدبر أمر سفري.
فخرج وجلست هي في غرفتها باهتة تردد في ذاكرتها أمر ذلك الكتاب، ولما تتصور شفيقا حيا تكاد تطير من الفرح، وقد أحست بعد تجدد آمالها أنها أحسن صحة.
فلما كان وقت الغداء جاء والدها ليتناوله معها - وكان قد قضى نصف ذلك النهار مع عزيز - فلما رأى فدوى كذلك سر كثيرا واستبشر برضاها، ولما جلسا إلى المائدة أخذا في أطراف الحديث، فقال الباشا: أراك اليوم - والحمد لله - في صحة جيدة.
قالت: نعم يا أبتاه، وإني أشكر الله على ذلك، ولكنني أشعر باحتياجي إلى الخروج من هذا الفندق ومن هذه المدينة.
قال: لقد صدقت، وأنا أرى كما رأيت، فإلى أين تريدين الذهاب؟ قالت: أسمع الناس يطنبون بجودة هواء لبنان، ولا سيما في أوائل الصيف؛ فالأفضل أن نسير إلى إحدى القرى؛ حيث يمكننا الإقامة في فندق أو منزل بضعة أشهر، فمتى انقضى الصيف نعود إلى بيروت، ولي شديد الأمل أن تكون صحتي جيدة جدا، بإذن الله.
فاستغرب الباشا ذلك منها، ولم يراجعها قط، وخيل له أن ذلك التحسن في صحتها ناتج عن سلواها شفيقا، فازداد سروره.
الفصل السادس والثمانون
قرية عاليه
Página desconocida