فوقع في حيرة من أمره، فبينما حبه لأركاديوس ولأرمانوسة يدفعه إلى إطلاع أركاديوس على الأمر لينجو هو وخطيبته. تراه يأنف من خيانة المقوقس وهو مولاه ويذهب مذهبه في كره الروم، ثم بدا له في الصباح التالي أن خير سبيل لبلوغ الغايتين في آن واحد إنما يكون في إبعاد أركاديوس عن الحصن عندما يقتحمه العرب، ولا سبيل لإبعاده إلا إذا جاء على يد أرمانوسة لدالة الحب بينهما، وأما أن يترك أركاديوس الحصن فرارا من العرب فهذا مستحيل لما هو عليه من الشجاعة والنخوة.
فلما وضح له الرأي زال قلقه وسكن روعه، وذهب توا إلى مولاه المقوقس، فإذا هو في مجلس الأعيرج وابنه وجميع كبار القواد يتفاوضون، فانتظره حتى خرج، فأومأ المقوقس إليه أن يتبعه. فتبعه حتى وصل إلى غرفته فقال له: «لقد قررنا في جلستنا هذه أن نبقى متأهبين لا نفاجئ العرب بحرب، فربما طال حصارهم وقد نحتاج إلى مئونة، ولذلك رأينا أن نبعث فريقا منا إلى منف، فتطمئن أرمانوسة علينا، فإذا ذهب الناس بأحمالهم فاسلك أنت طريقا آخر إلى معسكر العرب وادفع الكتاب إلى أميرهم.» فقال مرقس: «حسنا يا سيدي، وهل ترى يوم نجاتنا من هؤلاء الروم قريبا؟» وقد أراد مرقس أن يستطلع رأي سيده ليكون على بصيرة من ساعة الخطر، فيسعى في إنقاذ أركاديوس، فقال المقوقس: «إن يوم النجاة قريب، قد يكون بعد بضعة أشهر، ولا يخفى عليك يا ولدي أن استسلامنا للعرب، أو تسهيل الفتح عليهم، يجب أن يبقى سرا، فإذا استعجلنا الأمر ظهر تواطؤنا على الروم وأننا نحن الذين ساعدناهم، أما إذا طال الحصار فإن الشبهة ترتفع عنا بعض الشيء، فاحذر أن يطلع أحد على شيء مما ذكرته لك.»
فخرج مرقس وفعل ما أوصاه به المقوقس، واطمأن على أركاديوس، فسار مع من ساروا إلى منف، فلقي خطيبته ووالديها، ففرحوا لرؤيته أيما فرح، واستطلعوه الخبر فطمأنهم وبشرهم بالفرج القريب، ومكث عندهم برهة يتمتع بحديث مارية ورؤيتها، وهي لا تدري أتبكي أم تفرح وقد تعاقبت الحوادث من كل جانب.
ثم لقي بربارة فذهب معها إلى أرمانوسة فلما رأته استبشرت، لعلمها بأنه مطلع على أسرار قلبها، عالم بما بينها وبين أركاديوس، وبأحوال والدها وشقيقها في الحصن، فاستطلعته الخبر فقال: «إن العرب نزلوا خارج الحصن، وقد كتبوا إلينا أن نسلم، فأجبناهم بأننا مصرون على الدفاع إلى آخر نسمة من حياتنا.»
فضحكت بربارة وقالت: دعنا من المزاح وقل الحقيقة، فقد علمنا أن مولانا المقوقس أخذ عهدا على أمير العرب؟ أفلا يزالان على العهد؟»
قال: «نعم يا سيدتي، إنهما باقيان على العهد، هذا كتاب من سيدي المقوقس إلى الأمير عمرو بهذا الشأن.» ومد يده وأخرج الكتاب ودفعه إلى أرمانوسة، فقرأته، فلما جاءت على آخره شعرت بانقباض، ولكنها صمتت برهة ثم قالت: «وماذا تكون عاقبة هذا التواطؤ على أركاديوس؟ ألا تظنه يصبح في خطر، وهو شجاع إذا لقي الموت لا يفر منه؟ فما هذا يا مرقس؟ إن العاقبة وخيمة علينا جميعا على ما أرى.»
فابتسم وقال: «طيبي نفسا يا سيدتي، فقد قضيت يوما كاملا أفكر كيف أنقذ سيدي أركاديوس من الخطر، فبدت لي حيلة إذا أطلعتك عليها استصوبتها لا محالة.»
قالت: «وما هي؟»
فأطلعها على ما دبر، فقالت: «بورك فيك، هذا هو الرأي الصواب واحذر أن تبطيء في إخباره، وإني أترك لك ملء الحرية في دعوتك إياه إلي عن قولي، وقد ألقيت الحمل عليك، ولك بعد ذلك الأجر من الله ومني.»
فجثا مرقس أمامها وقال: «إني عبدك وخادمك، وإذا سفكت دمي في خدمتك لا أفي جزءا من فضلك.» فأنهضته وقالت: «بورك فيك من شهم غيور.» فقبل يدها وقال: «أرجو أن تأمري بإعداد قارب أركبه هذا المساء، وأنزل منه بعيدا عن الحصن ، حتى أصل إلى قبالة معسكر العرب، فأصعد إليهم وأبلغهم الرسالة.» فأمرت بربارة بذلك. أما هو فذهب إلى بيت خطيبته وقضى بقية ذلك اليوم.
Página desconocida