وباتوا ليلتهم، فلما جاء الصباح أقبل بعض رجال العرب يقودون رجلا موثقا، فلما دخلوا به القصر إذا به مرقس، فسألوا أرمانوسة عنه؛ لأنهم قبضوا عليه عند الأسوار فادعى أنه من خدم السيدة أرمانوسة، فقالت: «نعم هو من خدمي.» ورحبوا به، ولما رأى أركاديوس فرح فرحا عظيما، وقص عليه قصته، وقال له إن المقوقس وابنه متهمان بقتله، وأنه إذا لم يعجل بالمسير سعى الأعيرج وسجنهما وقد يقتلهما.
فصاحت أرمانوسة: «ويلاه يا أركاديوس إن أبي وأخي في خطر الهلاك وحياتهما في يدك.»
فقال: «لا تخافي يا أرمانوسة، علي إنقاذهما والذود عن كل من تحبين. لا تخافي، ولولا خوفي عليك لأسرعت إلى الحصن، ودفعت هذه التهمة عنهما، إنما يجب أن أبقى هنا لأرى ما يئول إليه أمرك.»
قالت: «أنا لا أريد أن تذهب إلى الحصن الآن، ولا أن تحضر المعارك، ولكني لا أريد أن يهلك أبي وأخي، فإن الروم ظلمة، لم يخرج منهم شهم غير أركاديوس.»
فقال أركاديوس لمرقس: «وكيف حالهم في الحصن؟» قال: «فارقت أباك قلقا عليك، وقد بث العيون والأرصاد، وبعث الرسل للبحث عنك، ولما لم يعثروا عليك شدد النكير على سيدي المقوقس وابنه أرسطوليس، وهو ينوي الإيقاع بهما إذا لم يعلم خبرك، وأنا الآن أعترف لك أني جئت على نية أن أزور كتابا عن لسانك وأختمه بخاتمك الذي عرفت منك أنه مع سيدتي أرمانوسة، وأذهب بالكتاب إلى أبيك بأنك حي وأنك آت عما قليل.»
فقال أركاديوس: «أصبت يا مرقس، ونعم الرأي رأيك. إلي بقطعة من البردي لأكتب الكتاب.» فلم يجد شيئا من البردي هناك فقطع قطعة من قماش كان غطاء للفراش، وهو نسيج كتاني يعرف بالقباطي من صنع مصر، كانوا يستعملونه للكتابة، وعليه كتبت المعلقات السبع وعلقت في الكعبة فكتب إلى أبيه يقول ما معناه:
أبي العزيز المحترم
لا ألومكم على قلقكم علي لخروجي من الحصن وأنت لا تعلمون، وسأطلعكم على ما حملني على ذلك فيما بعد، وأما الآن فإني أكتب إليكم لتطمئن قلوبكم، فأنا حي مقيم ببلبيس، بعد أن أسرني العرب فنجوت من الأسر، وعرفت من أحوال هؤلاء العرب ما سأقصه عليكم، وفيه قوة لنا، ولولا جراح أصابتني في ذراعي لجئت إليكم بدل هذا الكتاب، ولكني سأسرع حالما أستطيع الركوب، وذلك قريبا إن شاء الله.
كتبه ولدكم أركاديوس
فحمل مرقس الكتاب، وتقدم إلى أرمانوسة وسجد أمامها وقال: «أرجو منك يا سيدتي أن تشفقي على عبدتك مارية .»
Página desconocida