فعاد زياد إلى الأمير عمرو، وقد صمم على بذل الجهد في إنقاذه، ولكنه لم يصل إلا وقد ركب عمرو، وصاح في الناس: «النفير النفير.» وأخذ الجند في التأهب لمهاجمة المدينة، فلم يملك فرصة لمخاطبته في شأن أركاديوس، ولاح له أنه ربما استطاع إطلاق سراحه، والناس في شاغل عنه بالحرب.
الفصل الحادي عشر
العرب في بلبيس
كانت أرمانوسة في اطمئنان على أركاديوس، لظنها أنه سار إلى الحصن كما قدمنا، ولكنها أصبحت في خوف على نفسها من العرب، لم يكن يخفف من وقعه إلا ما علمته من اتصال أبيها بهم.
أما حاكم بلبيس فأخذ في الاستعداد للدفاع، فأعد الجند وفرقهم على الأسوار فرقا، فلما أصبح ورأى العرب تأهبوا للهجوم على المدينة، نادى الجند وجاء الأساقفة والقسيسون فصلوا فيهم، وحرضوهم على الثبات، وقرءوا الأناجيل، وحملوا الصلبان والأعلام، ورشوا الجند بماء المعمودية، وكان عندهم زجاجة منه جاءتهم من القدس، فاحتفظوا بها من أزمان طويلة، فلما اجتمع الجند في ساحة المدينة للصلاة جاءوا بالزجاجة وصبوا منها شيئا في وعاء كبير فيه ماء، وأخذوا من ذلك الماء ورشوا به الجند، وحملوا الشموع والمباخر، وتفرقوا على الأسوار تأهبا للقتال.
وأطل الحاكم من أعلى السور ينظر إلى العرب، فرآهم قد ركبوا خيولهم واصطفوا صفوفا، والأعلام تخفق فوق رءوسهم، وتقدم فارس منهم يطلب المبارزة، وأخذ يجول على جواده مناديا: «البراز البراز» حتى الظهيرة، فلم يخرج إليه أحد ممن على السور، فعاد إلى معسكره، فاجتمع الأمراء وتشاوروا فرأى عمرو أن يسرع القوم باقتحام الأسوار قبل أن تأتي المدينة نجدة من حصن بابل، وسرعان ما تقدم العرب إلى الأسوار وأخذوا يتسلقونها.
وكانت أرمانوسة تنظر من نافذة قصرها إلى العرب وحربهم، فلما رأتهم يتسلقون الأسوار اضطربت وخافت خوفا عظيما، ونادت بربارة فجاءت تجري وهي تقول: «لا تخافي يا سيدتي، إن لنا على أمير العرب عهدا كما تعلمين.»
ثم سمعتا ضجيج أهل المدينة وصراخهم فأيقنتا أن العرب دخلوا بلبيس، فصاحت أرمانوسة: «ويلاه يا بربارة قد قتلنا، وأمرت الحراس بإقفال أبواب القصر والتحصين فيه خوفا من الفاتحين .» وجعلت تسترق النظر من النافذة فإذا بجيش الروم قد فر، وأهل المدينة في هرج لا يلوون على شيء، والعرب قد انتشروا في الحديقة، وجاء أحدهم يطرق باب القصر، فلم يجسر أحد من الخدم أن يفتح خوفا على أرمانوسة، فسمعوه يقول: «افتحوا. لا تخافوا. إني رسول من الأمير عمرو إلى السيدة أرمانوسة.»
فلم يصدقوه، ولما ألح في القول أطلت بربارة من النافذة فوق الباب تستوضح أمره، فأجابها بالقبطية أنه رسول إليها من عمرو، فعجبت للباسه العربي، وكلامه القبطي، فقالت: «ماذا تريد؟» قال: «افتحوا. إني أريد أن أكلم السيدة أرمانوسة في أمر ذي بال من الأمير عمرو.» فلم تصدقه فأخرج من جيبه السلسلة وفيها الصليب، وأشار بها إليها، فلما رأت بربارة السلسلة عرفتها، وأسرعت إلى سيدتها تقص الخبر فصعقت له ونادت في خدمها أن يفتحوا له الباب، فدخل مسرعا إلى أرمانوسة، وهي في خوف شديد، فلما رأته عرفت أنه الرجل الذي كان مع مرقس يوم جاءها إلى الخيمة وهي عند يوقنا، فقال لها: «لا تخافي يا مولاتي. إن الأمير عمرا قد أرسلني لأدخل السكينة على قلبك؛ فإنك في أمان من هول ما ترين أنت وكل من يأوي إليك.» فأسرعت إليه، وأخذت السلسلة من يده وقالت: «من أين هذه؟» وحدقت فيها فإذا هي سلسلتها وصليبها، فاضطرب قلبها وجزعت وصاحت به قائلة: «وكيف وصلت إليك؟ وأين صاحبها؟»
قال: «لا تجزعي يا سيدتي إن صاحبها في خير، وهو أركاديوس بن الأعيرج، وقد عرفت قصته، وسأقص عليك خبره، فلا تخافي.»
Página desconocida