وكما تتهادى مياه الترعة لا يقلقها إلا موجات خانعة لا تكاد تشب حتى تموت، عاش الناس وقد رضوا بما كان وسلموا بما حدث، وما قد بقي في قلوبهم من استنكاف زال وانمحى، ولم يعد بها إلا تسليم ذليل، حتى العمدة الذي كانت كل بادرة تصل إليه، فيسمعها، ويجعل أذنا من طين، وأخرى من عجين، قابلوه ذات ليلة، فقال لهم إنه العمدة، فردوا عليه: ولو، خش بيتك.
ودخل بيته، وأغلق الباب بالضبة والمفتاح دون أن يقول ثلث الثلاثة كام.
وبلغت الحكاية الناس، وضحكوا في سرهم على العمدة، وتشفوا فيه، وعرفوا أنه غلبان مثلهم ولا حول له ولا قوة، وأنه لم يعد الحاكم الناهي في البلد.
وتطلع الناس إلى الحكام السود الجدد، وبدءوا يتعرفون أسماءهم، ويخلطون بين حسن الطويل وجاسر القصير، وسلطان الذي له عيون الذئب، ومضوا يتحسسون أخبارهم، ويعدون عليهم كل ساكنة وواردة، ويعرفون يوما بيوم من عند من سيأكلون؟ ومن أي بيت من بيوت الأعيان سيحمل لهم عبد الفتاح الخفير الصينية الحافلة فوق رأسه.
وكان الصغار سباقين إلى تتبع ما يدور في غرفة الهجانة، فكانوا يدسون أنظارهم خلال نوافذها، ثم يزهقون من التطلع، فيجرون وراء بعضهم وهم يقلدون أصوات العساكر ومشيتهم، ويستعيضون عن الاستغماية أثناء الليل بالجري بالأطواق أثناء النهار، ويلحفون على آبائهم حتى يشتروا لهم كرابيج مثل التي مع الهجانة، وحين لا يجدون في إلحاحهم أملا يصنعونها هم من ذيول البهائم التي يذبحها أبو أحمد الجزار، وكذلك من أجزاء أخرى، وبدلا من الزجر الذي كانوا يلقونه من الآباء في أول الأمر، تساهل الآباء، بل تعدى الأمر حدود التساهل، وتدخلت سيرة الكرابيج فيما كان يدور بين الرجال من أحاديث، وكانت المجادلات لا تنتهي حول صنعها وحول البلاد التي تصنعها، وهل هي مصر أم السودان؟
وكان الطلبة والتلامذة الذين يقضون إجازتهم بالبلدة يسمعون الأحاديث، ويسخرون من الجهل الذي يسودها، ويتفضل واحد منهم، ويصلح ما أفسده الجهل، ويتطرق الكلام إلى الهجانة أنفسهم، ويصغى الناس في شيء من الإكبار إلى الأفندية، وهم يسخرون بالحكام السود، ويتفكهون عليهم، ثم ينقلبون بجرأتهم على البلدة الجبانة التي تتمسح في أحذية عساكر ثلاثة، لا يساوي الواحد منهم مليما أحمر.
وكان الناس يعرفون سر سخط التلاميذ، فقد منعت الأوامر الجديدة طوابيرهم التي كانت تجوب القرية رائحة غادية، وكذلك سهراتهم إلى نصف الليل على الميزانية الحجر، وجريهم وراء بعضهم في دروب البلدة النائمة، وتربصهم بالبنات.
وكان الناس يسمعون الكلام ويسكتون، فالمتاعب لا تنقصهم، ولكن كان بعضهم لا يسكت، فالبدراوي محترف كتابة العرائض والبلاغات مضى عليه أسبوع، وله كل يوم عريضة، وكل صبح بلاغ، يفند فيها ما صنعه العساكر بالبلد، ولكنه حين عرف أن الهجانة قد علمت بأمره، نفض يده من الكتابة، واندفع يتقرب إليهم ويتلطف معهم، ويرجع بنسبه إلى دنقلة حيث جاءوا، ويتطوع بإبلاغهم سرا ما يحدث وراء ظهورهم، ولم ينفعه كل هذا حين قابلته الهجانة، التي لا تعرف عربي، ذات ليلة، وقد اطمأن إلى صداقتهم، فجعلوه يعض الأرض وهو يستعرض تربة أجدادهم.
وكانت البلد حين يسلمها يوم كئيب إلى آخر أشد منه كآبة يزداد شعورها بأنها كانت في نعمة، وزالت، وأن الخراب قد حل، ويكاد محمد أبو حسين صاحب القهوة يخبط رأسه في الحائط على رزقه المقطوع، وتجار الكيف معه ساخطون، والخفراء يصرون على أسنانهم، ويكتمون وهم في أعماقهم يتمنون مصيبة عاجلة تطيح بالهجانة، وقد أصبحوا هم وشيخهم وعمدتهم دلاديل، وصار لزاما عليهم أن يقضوا الليل بطوله ساهرين، والدكاكين وقفت حالها، والعاملون بالبندر لا يجدون الخبز، ولا صلاة ولا عبادة أو سهر، وإنما ضرب وإهانة ومسخرة، وكأنما البلد بأناسها عزبة أبيهم، والحكايات تترى عن ركنتهم في زقاق مبروكة، ومبروكة تاجرة البيض العازبة كانت الركنة في زقاقها حدثا تتلاعب له الحواجب، وتغمز العيون.
والناس في صبرهم كالجمال، تشهد وتسمع وتقاسي حتى تحين اللحظة.
Página desconocida