497

الركين القادر بصورة مطلقة ، الذي يقرر الأمور بأسرها على ضوء المصالح الغيبية ، وأن له سبحانه الرحمة الكاملة المطلقة ، وإنه الرحيم المطلق والجواد المطلق . ومن المعلوم أنه مع مثل هذا اليقين تذلل الصعاب وتهون كل المصائب ، ويختلف كثيرا طلبه لمعيشته عن طلب أهل الدنيا وأهر الشك والشرك . إن الذين يعتمدون على الأسباب الظاهرية ، يعيشون دائما عند طلب الرزق في حالة من القلق والاضطراب ، ولو اصطدموا بمشكلة ، لعظمت عندهم ، لأنهم لا يجدونها محفوفة بالمصالح الغيبية .

وخلاصة الكلام إن من يرى سعادته ، في تحصيل هذه الدنيا ، يواجه في طلبه هذا الآلام والعناء ، وتسلب عنه الراحة والبهجة ، وتستنزف قواه وطاقاته في هذا الطلب . كما نرى أن أهل الدنيا دائما في تعب ونصب ، وأنهم لم يتمتعوا باطمئنان في الروح واستقرار في الجسم ، وإذا حلت بهم مصيبة ، خارت قدراتهم وحيويتهم وزال جلدهم وصبرهم أمام الحوادث التي تداهمهم . وهذا لا يكون إلا نتيجة شكهم وعدم إيمانهم بالقضاء الإلهي وعدله ، فتكون هذه الأمور من الحزن والهم والتعب . نتيجة لهذا التزلزل .

وقد سبق منا شرح مسهب في هذا الموضوع ، ولهذا لا ينبغي تكراره .

وأما بيان أن ترتب الروح والراحة على اليقين والرضا ، وترتب الهم والحزن على الشك والسخط ، من الجعل الإلهي ، وإن هذا الجعل يكون عادلا ، فهو متوقف على بيان تطرق فاعلية الحق المتعالي في جميع مراتب الوجود من دون أن يستلزم جبرا باطلا ومستحيلا ، وعلى بيان البرهان اللمي الاستدلال من المعلول على العلة من أن نظام الوجود أتم وأكمل نظام متصور . وهذان الأمران خارجان عن وظيفة ودور هذا الكتاب . والحمد لله أولا وآخرا .

Página 501