397

بالمخاطر ، وأن مضاعفات الموت والقيامة ، صعبة للغاية . إن هذه اللامبالاة التي نعيشها تكون نتيجة ضعف إيماننا ووهن عقيدتنا وجهلنا .

إلهي أنت واقف على حقيقتنا ، وعالم بقصورنا وتقصيرنا ، وضعفنا وعجزانا.

أنت غمرتنا برحمتك قبل أن نسألها . وابتدأتنا بنعمك ، وتفضلت علينا من دون طلب والتماس . نحن نعترف بتقصيرنا وكفرنا لآلائك اللامتناهية ، ونجد أنفسنا من المستحقين لعذابك الأليم ، ودخول الجحيم ولا نملك شيئا يسعفنا ووسيلة تعيننا ، إلا ما عرفتنا به على لسان أنبيائك من التفضل والترحم وسعة جودك ورحمتك ، فقد عرفناك بهذه الصفات حسب فهمنا واستيعابنا . فماذا تصنع مع حفنة تراب إن لم ترحمه وتتفضل عليه ؟

أين رحمتك الواسعة ؟ أين أياديك الشاملة ؟ أين فضلك العميم ؟ أين كرمك يا كريم ؟

فصل: في بيان ان التفرغ في العبادة يوجب الغنى في القلب

لا بد من معرفة أن الغنى من الأوصاف الكمالية للنفس ، بل يكون من الصفات الكمالية للموجود بما أنه موجود ، ولهذا ، يكون الغنى من الصفات الذاتية للذات الحق المقدس جل وعلا ، وإن الثروة والأموال لا توجب الغنى في النفس ، بل نستطيع أن نقول إن من لا يملك غنى في النفس ، يكون حرصه تجاه المال والثراء والمنال أكثر ، وحاجته أشد . ولما لم يكن أحد غنيا حقيقيا أمام ساحة الحق جل جلاله المقدسة الغنى بالذات ، وكانت الموجودات كلها من أدنيها وهو التراب إلى ذروة الأفلاك ، ومن الهيولى الأولى إلى الجبروت الأعلى ، فقيرة ومحتاجة ، لهذا كلما كان تعلق القلب إلى غير الحق ، وتوجه الباطن نحو تعمير الملك والدنيا أشد ، كان الفقر والحاجة أكثر ، أما الحاجة القلبية ، والفقر الروحي ، فواضح جدا ، لأن نفس التعلق والتوجه فقر . وأما الحاجة الخارجية التي تؤكد بدورها الفقر القلبي ، فهي أيضا أكثر ، لأن أحدا لا يستطيع النهوض بأعماله بنفسه ، فيحتاج في ذلك إلى غيره . والأثرياء وإن ظهروا في مظهر الغنى ولكنهم بالتمعن يتبين أن حاجتهم تتضاعف على قدر تزايد ثرواتهم . فالأثرياء فقراء في مظهر الأغنياء ، ومحتاجون في زي من لا يحتاج .

وكلما اتجه القلب نحو تدبير الأمور وتعمير الدنيا أكثر ، وكان تعلقه أشد ، كان غبار الذل والمسكنة عليه أوفر ، وظلام الهوان والحاجة أوسع ، وعلى العكس كلما ركل بقدميه التعلق بالدنيا ، ووجه وجه قلبه إلى الغنى المطلق ، وآمن بالفقر الذاتي للموجودات ، وعرف بأن أحدا من الكائنات لا يملك لنفسه شيئا ، وأن جميع الأقوياء والأعزاء والسلاطين قد سمعوا بقلوبهم أمام ساحة الحق المقدسة من الهاتف الملكوتي ، واللسان الغيبي ، الآية الكريمة «يا الاربعون حديثا :402

Página 401