فاحتقن وجهه ولكنه كظم غيظه وقال عاتبا: أما كان أولى بك لو جئت إلي، فأطلعك على الحقائق.
فقلت في ارتياح: هذا يسعدني، ولك يا سيدي أن تكذب ما تراه كاذبا من أقوالي.
فكبر قولي على الجالسين في الحلقة، وبدءوا يتدخلون في الحديث، وأدهشني أن الزعيم انفجر في أحدهم بدلا من أن ينفجر في أنا وصرخ فيه قائلا: اخرس أنت!
وأدهشني أكثر من ذلك أن ذلك السيد التابع خرس فعلا، وانزوى في ركنه صامتا مع أنه كان ينتفش إذا ظهر أمام الناس كالديك الرومي.
واتجه الزعيم إلي قائلا: إني فضلت أن أدعوك إلى هنا لأكلمك حتى تعلم أني لا أريد بك إلا كل خير، بل إني فكرت في أن أسند إليك وظيفة.
فابتسمت في سري وقلت له: أشكرك يا سيدي لأني لا أطلب وظيفة.
فزاد وجهه احمرارا، وبدأ يرفع صوته في المناقشة، وكان كلما سمع أحد أتباعه يتكلم يصيح به في جفاء قائلا: «اسكت أنت!»
وكانت لفتاته ونغمة صوته تدل على أنه كان ينفس من غيظه بالانفجار في هؤلاء الأتباع الذين يعرف أنهم حوله مثل الكلاب الأليفة.
واستمرت بيننا مناقشة طويلة، وكانت حرارة الزعيم تزداد شيئا فشيئا، ولم يطل انتظاري للانفجار المتوقع، فإنه أخذ بعد قليل يخبط بيديه على المكتب الذي أمامه، ويصيح بأعلى صوته: من لا يكون معي أحطمه! من لا يكون معي أكسره!
وخيل إلي أنني حيال مجنون هائج، فضحكت في رثاء، وكانت ضحكتي هذه المرة ظاهرة، وتذكرت موقفي القديم مع السيد أحمد جلال عندما قال لي هو الآخر إنه يحطمني، وقلت في نفسي: إن هؤلاء جميعا لا يعتمدون إلا على مقدرتهم في التدمير والتحطيم، فلننظر!
Página desconocida