في القرن التاسع عشر مع الاحتلال الغربي المباشر، تناولت «سيد أحمد خان» (1231ه/1817م-1313ه/1897م) في الهند، «ورفاعة الطهطاوي» (1214ه/1801م- 1289ه/1873م) في مصر، و«أحمد فارس الشدياق» (1217ه/1804م-1303ه/1887م) في سوريا، و«جمال الدين الأفغاني» (1252ه/1838م-1313ه/1897م)، و«عبد الرحمن الكواكبي» (1264ه/1849م-1318ه/1902م) في سوريا، و«محمد عبده» في مصر (1264ه/1849م-1321ه/1905م). أصبح السؤال هو: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟ كانت الاكتشافات العلمية من ناحية، والتقدم التكنولوجي متمثلا في الأسلحة الحديثة من ناحية أخرى، ومن ناحية ثالثة الغرب كتحد سياسي؛ فأعادوا التفكير في السنة ونقد الأحاديث ونشأة تفاسير جديدة للقرآن؛ فوضع «سيد أحمد خان ومحمد عبده» الأرضية لمفكرين في القرن العشرين لفتح المعنى القرآني؛ فكان «سيد خان» مهموما بتحدي العلم الحديث، و«عبده» مهتما بالعقلانية. وإن كان خط «سيد خان» أوصلنا إلى اتجاه الإعجاز العلمي في القرآن، على أساس احتواء القرآن على كل الحقائق العلمية، فإن «محمد عبده» مهد الأرض للاتجاه الأدبي في تفسير القرآن. وكأن حركة الإصلاح تناولت المصادر الأربعة للشريعة التي وضعها القدماء في القرآن والسنة والإجماع والاجتهاد، فتم نقد حلقاتها حلقة حلقة، بداية من تقليد اجتهادات السابقين والمذهبية الفقهية، ثم نقد الإجماع، ثم نقد السنة، لكن ظل الاقتراب من القرآن - باستثناء محاولة «محمد عبده» - بعيدا عن التفكير فيه أو الاقتراب منه.
ركزت على القرن العشرين؛ قضاياه لا أشخاصه؛ قضايا مثل الشريعة والقانون والديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق المرأة وحرية العقيدة وحرية الفكر وحقوق الأقليات وماهية الكتب المقدسة. وعرضت لبعض التجارب في مصر وإيران والعراق وفي إندونيسيا، وكيف انتقل التوجه من الإصلاح حتى وصلنا إلى السلفية وظهور الإسلام السياسي في بدايات القرن العشرين، وحركة الخلافة في الهند التي حصلت على تأييد حزب المؤتمر، حتى إن المهاتما «غاندي» كان عضوا في اللجنة المركزية للخلافة، وأصدرت اللجنة بيان الخلافة عام عشرين، حتى ألغى حزب المؤتمر هذه العلاقة ولجنة الخلافة في الهند عام اثنين وعشرين. وعرضت لمسألة الدولة الإسلامية وتسييس القرآن، ومسألة الجدل الفكري حول أدبية القرآن، وقضية الإسلام والثقافة. في إندونيسيا، الديمقراطية وحرية التفكير وحقوق الإنسان؛ ونموذج الدولة الإسلامية في إيران. الغرب موجود في هذا الجدل الدائر في العالم الإسلامي بين الإسلام والحداثة، في مصر وتركيا وإندونيسيا والهند وإيران؛ فالغرب الثقافي دفع إلى تبني قيم الحرية، أما الغرب السياسي فوقف حائلا بين تبني قيم الحداثة والحرية، بل ولدت مقاومة للحداثة، والتي نظر إليها على أنها عملية تغريب وجزء من الهيمنة الغربية. ثم عرضت لمجموعة من المفكرين بالتحديد في مسألة الإسلام والشريعة والديمقراطية وحقوق الإنسان، من خلال جهود «محمد أركون» (1928-2010م) عن إعادة التفكير في الإسلام، و«عبد الله النعيمي» في مسألة الشريعة وحقوق الإنسان، و«رفعت حسن» وآخرين عن التأويلية الأنثوية، وأيضا «طارق رمضان» عن الإسلام وأوروبا. وكلهم - باستثناء «محمد أركون» - محصورون داخل سؤال الهوية الذي واجه حركة الإصلاح الإسلامي في اتجاه واحد من اثنين؛ إما الاتجاه الاعتذاري، وإما الاتجاه السجالي.
في القسم الأخير عرضت جهدي في مسألة الشريعة كمجهود بشري مستنتج من فهم البشر، والمقاصد الكلية للشريعة التي صيغت في حفظ النفس والعرض والمال والعقل والدين. وأرى أن هذه المقاصد مستقاة من عقوبات الحدود التي وردت في الفقه، فحفظ النفس مرتبط بحد القتل وحد الحرابة، وحفظ العرض بحد الزنا، وحفظ المال بحد السرقة، وحفظ العقل بحد شرب الخمر، وحفظ الدين بحد الردة. وبالنظر إلى هذه العقوبات نجد أنها لم يأت بها الإسلام، بل هي مستقاة من القانون الروماني ومن التراث اليهودي؛ فهي كانت موجودة قبل الإسلام. وعرضت كيف يمكن الخروج من حالة السجال هذه؛ بالخروج من مفهوم النص إلى القرآن كالخطاب أو بالأحرى خطابات، وما تأثير ذلك في قضايا الشريعة والديمقراطية وحقوق الإنسان ومكانة المرأة. ونشر الكتاب، وأتاحته الجامعة على النت لكل مستفيد من دراسته.
14
لم تنجح فكرة المؤسسة العربية التي حاولنا إقامتها، فلم نجمع غير مليون دولار أنفقت في ترجمة وطبع بعض الكتب المهمة، فقررنا حلها. وبدأت المشاركة الكتابية باللغة العربية في الشأن العام، فكتبت عن الرقابة وتوابعها في البحث العلمي، وكتبت عن تفكيك الاستبداد هل ممكن، وشاركت في مؤتمر بالإسكندرية عن حقوق الإنسان في أبريل ألفين وستة، وقدمت به ورقة «من النص إلى الخطاب»، وكتبت سلسلة مقالات في جريدة «المصري اليوم»، مقالا كل أسبوعين، عن «العقلانية العمياء والليبرالية العرجاء»، وعن «لبنان والمقاومة»، وكتبت عن «الصراع العربي الإسرائيلي هل هو صراع ديني؟» وعن «أمل دنقل يغني في الجامعة، متى تستعيد الجامعة «أمل»؟» وكتبت «درس نجيب محفوظ، الأدب مقاومة فكرية»، وتوفي الرجل فكتبت «رسالة إلى عم نجيب»، و«ملاحظات حول محاضرة البابا بنديكت السادس عشر»، ومرة ثانية «عن العقلانية والليبرالية ثانيا»، ثم كتبت «تجريف التدين وخصاء العقل» في مقالين، ومقال «أوراق شاهندة مقلد وأسئلة ما يحدث في مصر الآن»، لكن وجدت أن هذه المقالات على الرغم من أنها كل أسبوعين إلا أنها تمتص طاقتي الفكرية، فتوقفت، ولا أعرف كيف يفعلها أصدقاء لي يكتبون مقالا كل يوم.
كنت في زيارة إلى مصر، وقد أرسل معي بعض الطلاب المصريين الذين يدرسون معي في هولندا نقودا لأهاليهم في مصر، وكنا قبل العيد، فآثرت أن أوصلها لأهاليهم لعلهم يحتاجون إليها في العيد، فعجلت بسفري إلى «قحافة». وفي يومي الثاني هناك جاء الخبر أن أخي الذي يصغرني «محمد» قد سقط، وهرولنا إلى الطبيب ، لكن صعدت روحه إلى بارئها؛ فلو تأخرت حتى العيد ربما ما رأيت أخي على قدميه، فأقمنا العزاء، واستأت كثيرا عندما أدخل العامل ترددات صوت للمقرئ، فخرجت كلمة «الرحمن» من الميكروفون «الرحمن ن ن ن ن»، فثرت عليه وقلت له: «ما هذا الهباب الذي تعمله، اقفل، لسنا في ملهى ولا راقصة.» ولم يمر الأربعون حتى سقط أخي الصغير «أسامة»، واحتاج إلى عملية قلب مفتوح.
أقترب من الخامسة والستين؛ سن الخروج على المعاش في هولندا، تلقيت دعوة من جامعة «كولومبيا» بنيويورك في نوفمبر ألفين وسبعة لإلقاء محاضرة، ودعتني جمعية «ألوان» الثقافية العربية في نيويورك لألقي محاضرة في يوم وصولي، وقد تأخرت الطائرة ساعة ونصفا، وكنت مرهقا من فرق التوقيت، لكن ذهبت. كانت القاعة في مقر الجمعية قرب «وول ستريت» تعج بالناس. وكان النقاش مفيدا، ودعاني صديقي الودود «فكري أندراوس» وبعض الأصدقاء على العشاء بعد المحاضرة، والتقيت - من ضمنهم - ذلك الشاب المهتم بكتاباتي، والذي كلمني عنه «فكري». عرفته مباشرة من سؤاله في الندوة، واتفقنا أن يأتيني في الفندق في اليوم التالي.
وسألته: جمال، إيه جعلك تهتم بشغلي؟ فقال: «وأنا في التاسعة عشرة كنت مشغولا بأزمة الفكر العربي، وقرأت عن معظم المشاريع الحضارية، لكن كتابك «مفهوم النص» كان فتحا كبيرا لي، يمزج بين الإيمان والعقل. وبعدها بعام حين نشر الأستاذ «محمد حربي» حوارا معك في الصفحة الثقافية في الأهرام، في سلسلة مفكر مصري جديد، في نهاية مايو سنة إحدى وتسعين؛ في هذا اليوم فتحت دوسيه وكتبت عليه «نصر حامد أبو زيد»، ووضعت فيه الحوار بجزأيه «وبدأت أترصد كتاباتك في المجلات» «وكتبك»، فجمعت كل ما أمكنني، وحينما حدثت القضية عشتها بتفاصيلها على صفحات الأهرام وروز اليوسف، الشعب، والتي جمعتها في ملفات، بصراحة ملفك كبر جدا يا دكتور، وقد جمعت كل كتبك في طبعاتها الأولى. وحينما اشتدت الأزمة احترمت فيك اختيارك أن من حق الناس أن تعرف في وجه من أرادوا أن تنحصر داخل الجامعة كقضية ترقية.» ثم سألني: «دكتور نصر، ما بين عام اثنين وتسعين وكتابتك لمقال مشروع النهضة بين التوفيق والتلفيق، احتفالا بمرور مائة عام على مجلة «الهلال» القاهرية، وتحليلك لمشروع النهضة وأزمته، وبين محاضرتك أمس باللغة الإنجليزية عن مشروعك الذي أنجزته لدراسة مشروع تيار الإصلاح في العالم الإسلامي، ما بين اثنين وتسعين وألفين وسبعة خمسة عشر عاما، التغيرات التي حدثت في منهج الباحث وأدواته وعدسته البحثية، الجانب الداخلي للمفكر؟»
فقلت: على مستوى مشروع النهضة، أعتقد أن مقال سنة اثنتين وتسعين، كان بداية الوعي بضرورة نقد مشروع النهضة من الناحية الفكرية. ما حدث بعدها أن العدسة اتسعت، أستطيع أن أرى مشروع النهضة على مستوى العالم الإسلامي كله؛ في الهند وجنوب شرق آسيا، في إيران وإندونيسيا، وفي أوروبا. السؤال باستمرار هو: ما معوقات مشروع النهضة من الناحية الفكرية؟ فيه طبعا معوقات سياسية واجتماعية ومعوقات كثيرة، لكني مشغول بالمعوق الفكري. ليه العجز عن إنتاج وعي علمي بالتراث؟ وهنا حدث تطور أني أدركت أنه بالفعل تم مناقشة جميع الأمور تقريبا، وكثير منها أصبح محسوما. وأنا هنا أتحدث عن الخطاب الثقافي وليس الخطاب الإعلامي؛ ف «محمد حسين هيكل» مثلا حاول كتابة سيرة النبي من منظور تاريخي، لكن طول الوقت الهاجس الدفاعي موجود داخله؛ فالاستشراق كمعادل فكري للاستعمار يمثل تحديا، الاستجابة لهذا التحدي أخذ طابعا اعتذاريا، كأن تقول باستمرار إن الإسلام دين المحبة والسلام؛ لأن هناك هجوما على الإسلام. وهذا ما أسميه المنهج الاعتذاري؛ فأنت ترد الهجوم. وهناك أيضا المنهج السجالي مثل أن تقول له: ما أنت كمان دينك فيه عنف، وكذا وكذا. فأنت تساجله. السجالية والاعتذارية هما وجهان لحقيقة واحدة، هي أن تطور المعرفة لا يتم نتيجة لتطبيق منهج نقدي.
فبدأت أركز في مشروع النهضة من عمومياته إلى مشروع النهضة في تعامله مع القرآن؛ فهناك إنجازات هائلة عملها مشروع النهضة «محمد عبده، والشيخ أمين الخولي، محمد أحمد خلف الله» في تعاملهم مع القرآن؛ هذه الإنجازات مبنية على الأساس اللاهوتي التقليدي باستثناء «محمد عبده»، في محاولة تبنيه مفهوم المعتزلة في خلق القرآن في الطبعة الأولى من كتابه «رسالة التوحيد »؛ فهناك دائما خطورة في تناول هذه القضية، هذه الخطورة ما تزال موجودة، ما يزال مفهوم أن القرآن كلام الله الأزلي القديم مفهوما لم يتم إعادة النظر والتفكير فيه؛ وبالتالي فكل محاولات التفسير تظل مبنية على نوع من حسن النية، لا منهج نافذ، فيمكن الالتفاف حولها والعودة للتفسير القديم، بدليل أننا في القرن الواحد والعشرين نناقش نفس القضايا؛ المرأة، الزواج، الطلاق، ودخلنا في الحجاب والنقاب؛ يعني مشكلات كنا ظننا أنها قد أصبحت في عداد الماضي؛ مما يعني أن الخطاب الإصلاحي في مجال التفسير والتأويل قد حقق هذا الإنجاز، ولكن ليس على أساس منهجي صامد. فأصبح السؤال عندي: كيف نتجاوز هذه الأزمة؟ وأدركت أني أنا في حياتي كلها كنت طرفا في هذا. يعني محاولة فتح معنى النص القرآني بدون أن يكون انفتاح المعنى مؤسسا على إعادة صياغة لماهية مفهوم هذا النص، لطبيعة هذا النص؛ لأن محاولة فتح المعنى دون توسيع أفق لفهم هذا الإطار الذي نسميه القرآن يصبح فتح المعنى معتمدا على النوايا الحسنة، وعلى ردود الأفعال، ومحاولات تركز على جانب من القرآن وتتجاهل جانبا آخر، والمسئولية العلمية تتطلب ألا نتجاهل بعدا من الأبعاد. وهذا ما جعلني في السنوات الأخيرة أن أعيد النظر في المفهوم الذي بدأت العمل به، وهو أن القرآن نص. القرآن كنص سنظل نخوض المعارك كلها على أرضية النص. يصبح النص - كما قلت في دراستي عن المعتزلة، ودراساتي عن التصوف، وعن حركة الإصلاح الديني، والخطاب الديني المعاصر - إن القرآن أصبح مجالا للصراع الفكري، يمكن ينطق بما يشاؤه المفسر.
Página desconocida