أنا هنا أطور أطروحتي حول الجانب الإنساني في الوحي/القرآن، خطوة أبعد بالانتقال من البعد الرأسي الذي ركزت عليه في محاضرة عام ألفين إلى البعد الأفقي. ولا أعني به مجرد عملية التقنين التي أشرت إليها، ولا عملية البلاغ التي قام بها النبي عليه السلام، ولا عملية الانتشار الأفقي الناتجة عن فعل التبليغ، ولا أعني بها أيضا التراث التفسيري الذي حول النص الإلهي إلى فهم إنساني، لكن أعني بها المحايثة لعملية الوحي ذاتها، والمتمثلة في دوال وإشارات ما تزال ماثلة في بنية النص المدون في المصحف. هذا البعد يمكن إدراكه وتقديره، إذا حولنا منظورنا في التعامل مع القرآن من منظور كونه نصا إلى النظر إليه باعتباره خطابا أو بالأحرى خطابات، لكل منها سياقه الذي لا تستبين دلالة الخطاب إلا به.
وأنا كنت أحد الدعاة للخاصية النصية للقرآن، متأثرا بالمنهج الأدبي عند الشيخ «أمين الخولي»، ومتأثرا بأساليب الدراسات الأدبية الحديثة، لكني بدأت أدرك خطورة التعامل مع القرآن بوصفه نصا فقط؛ من حيث إنه يقلل من شأن حيويته، ويتجاهل حقيقة أن القرآن ما زال يمارس وظيفته في الحياة اليومية للمسلمين بوصفه خطابا لا مجرد نص. وكان القرآن، وما يزال، في الفترة الأولى من تاريخ المسلمين قبل الوصول لمرحلة التقنين النهائي للمصحف، وقبل تحول الإسلام إلى مؤسسات، ينظر إليه بوصفه الخطاب الحي، بينما كان المصحف بمثابة النص الصامت؛ فنسخ القرآن لم تتوفر بشكل واسع إلا مع دخول المطابع الحديثة في القرن التاسع عشر الميلادي، الثالث عشر الهجري، في العالم العربي والإسلامي. ومع انتشار الأمية، فإن تأثير القرآن منطوقا في الحياة اليومية عند المسلمين طوال هذه القرون. وإن التعامل مع القرآن فقط بوصفه نصا سينتج دائما تأويلية شمولية أو تأويلية سلطوية، وكلتاهما تزعم إمكانية الوصول إلى الحقيقة المطلقة.
في رسالة الماجستير رصدت تحول القرآن إلى أرض للمعارك الفكرية والسياسية بين المتنازعين، وتعامل المتكلمون مع القرآن من منظور نص مكنهم من ترسيخ المبدأ التأويلي الأول عن المحكم والمتشابه. ونزاعهم حول المعنى تطور إلى نزاع حول المبنى. ما المحكم وما المتشابه من آيات القرآن؟ وميز الفقهاء وعلماء الأصول مبدأهم التأويلي على أساس التمييز في الخطاب الإلهي بين المتقدم والمتأخر في ترتيب النزول، وتعاملوا مع القرآن بوصفه نصا وباعتباره كتابا بالمعنى القانوني، فتمت صياغة مقولة الناسخ والمنسوخ بأقسامها الأربعة؛ المنسوخ لفظا وحكما، والمنسوخ حكمه وبقي لفظه، والمنسوخ لفظه وبقي حكمه، والقسم الرابع الثابت حكما ونصا. وإذا كان النص البشري يخضع لسيطرة مؤلفه ويعكس قدراته، فإن النص الإلهي - ومصدره الله سبحانه وتعالى - لا بد أن يقع في أرقى مستويات البناء التي لا يمكن أن تستوعب تناقضا ما؛ فأي تناقض أو اختلاف في الكتاب الإلهي لا بد أن يكون ظاهريا؛ فالهدف عند المتكلمين والفقهاء كان رفع التناقض عن النص الإلهي. ولم يكن من الممكن للمتكلمين أو الفقهاء أن يدركوا أن ما يبدو لهم تناقضا ليس إلا مواقف وترتيبات لا يمكن فهمها إلا بالعودة لسياقها الخطابي؛ أي سياق التحاور والتساجل والجدل والاختيار والرفض والقبول ... إلخ؛ أي يتطلب منا الاهتمام بالطبيعة الخطابية للقرآن، بدلا من تركيز الاهتمام بالكامل على الطبيعة النصية التي أسهمت في إغلاق الاحتمالات، وتثبيت احتمالات موجهة أساسا بأيديولوجيا المؤول السياسية أو الثقافية أو العقدية أو المذهبية.
وبسبب سيطرة مفهوم القرآن بوصفه نصا على مجمل الدراسات في الشرق والغرب، جعل من الصعب تقديم نسق بنيوي دقيق للخطاب القرآني. وكتاب «القرآن بوصفه نصا»، والذي يتضمن بحوث المؤتمر العلمي الدولي الذي عقد في نوفمبر عام ثلاثة وتسعين بقسم الدراسات الشرقية بجامعة «بون» الألمانية، أبرز التحول في الدراسات القرآنية في الأكاديميات الغربية من نموذج البحث عن أصول وجذور القرآن في التراثين اليهودي والمسيحي، إلى نموذج النص كما تم استقباله في تاريخ المسلمين في شكل المصحف. وقد قدمت الموسوعة الإسلامية في الطبعة الثانية تصنيفا للشكل أو الأشكال الأدبية في القرآن، وهي: آيات القسم، والآيات التي تشير إلى الآيات الكونية والقصص وآيات الأحكام، وأخيرا الآيات الدعائية التعبدية. و«محمد أركون» رغم تأكيده على طبيعة القرآن بوصفه خطابا، فهو يتبنى تصنيف «بول ريكور» الفيلسوف الفرنسي، للأشكال الأدبية في العهد القديم، والمبنية على أساس تبني التعريف النصي؛ فالخطاب القرآني عنده يتكون من الخطاب النبوي أو التنبؤ، والخطاب التشريعي، والخطاب القصصي، ورابعا الخطاب التقديسي، ثم الخطاب التعبدي. والنظر إلى القرآن على أنه نص يجعلنا نبحث باستمرار عن مركزية النص، هل مركز القرآن هو الجهاد، والحدود ... إلخ، أم إن مركزية النص القرآني في الصبر والرحمة، وتقبل الآخر ... إلخ؟ وهذا هو المدخل للتأويل والتأويل المضاد. ومفهوم الخطاب يخرجنا من هذا الصراع.
ويمكنني القول إن القرآن لا يمثل خطابا أحادي الصوت، بل هو خطاب تعدد الأصوات بامتياز؛ بمعنى أن ضمير المتكلم لا يشير دائما إلى المقدس، فصوت المقدس لا يعبر عنه دائما بضمير المتكلم «أنا»، بل كثيرا ما يمثله الضمير الغائب «هو»، وهو دائما «أنت» في الخطاب التعبدي الدعائي. هذا عن الأصوات في القرآن. وإذا نظرنا للحوار في القرآن بداية من حوار السجال فسجال القرآن مع المشركين، والنوع الثاني هو سجال القرآن مع المؤمنين. والحوار التفاوضي مثل الحوار مع النصارى وتطوره من التفاوض إلى الجدل. الصنف الثاني: الحوار التفاوضي كان مع اليهود، والذي تطور من التفاوض والجدل إلى الحرب. ودراسة كل هذه الجوانب في الخطاب القرآني تحتاج إلى فريق بحثي كامل يعمل عليها، وتحتاج إلى مجلدات ترصدها. وقد عرضت في المحاضرة بعض النماذج التي توضح كل هذه الجوانب، من تعدد الأصوات ومن الحوار السجالي والحوار التفاوضي. في القسم الثاني من المحاضرة، والتي نشرت في كتاب، كان عن عملية التجديد في الفكر الإسلامي منذ القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، وكيفية استجابة العقل المسلم لتحديات الاكتشافات العلمية الجديدة وأسئلة العقل والعقلانية، بالإضافة إلى التحديات السياسية.
شاركت بورقة عن «اليسار الإسلامي إطلالة عامة» بمعهد «إبراهيم أبو لغد» للدراسات الدولية، جامعة بيرزيت، بينت فيها أنه لو أخذنا تعريفا عاما جدا لليسار بأنه: الحركات السياسية والفكرية التي تدافع عن حقوق الفقراء والمستضعفين. وهو كل نزوع نحو التقدم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتحرر الفكري ونحو العقلانية؛ أسلوب حياة ونمطا في التفكير. وأوضحنا اليمين بأنه: الحركات السياسية والفكرية التي تؤيد الحرية الفردية في مجال الاقتصاد، وتقف ضد أي محاولة لتوزيع الثروة أو لتقريب الفوارق بين الطبقات. وهو يتمسك بالتقاليد والمحافظة، والميل إلى تثبيت الواقع. وعرضت لجوانب هذا الفكر في تراثنا منذ القدماء إلى العصر الحديث، حتى هزيمة يونيو سنة سبع وستين.
تمت دعوتي لزيارة إندونيسيا، في السادس والعشرين من أغسطس، أسبوعين من المركز الدولي للإسلام والتعددية، ونظمت لي مجموعة من الأنشطة، وكان عدد من كتبي قد ترجم إلى اللغة الإندونيسية، وبعض تلاميذي الإندونيسيين في لايدن في الدراسات الإسلامية قد عادوا إلى إندونيسيا، وأصبحوا أساتذة في الجامعات والمعاهد الإندونيسية، وتعرفت إلى أكبر منظمتين إسلاميتين هناك؛ «المحمدية» التي تأسست عام ألف وتسعمائة وثمانية، و«نهضة العلماء» التي أنشئت بعدها بأربع سنوات. والتقيت رئيس «نهضة العلماء» وحفيد مؤسسها الذي أصبح رئيس إندونيسيا فيما بعد «عبد الرحمن وحيد». وأشرفت على ورشة عمل تحت عنوان «نقد الخطاب الديني»، وتم افتتاح مؤسسة «عبد الرحمن وحيد» لغرس بذور التعددية والسلمية في الإسلام، ودعاني لألقي كلمة في الافتتاح. وقضيت يومين في المعهد العالي للفقه. استقبلوني استقبال شيخهم الجليل. واكتشفت أن كتابي «مفهوم النص» المرفوع من مكتبة جامعة القاهرة، يدرس باللغة العربية في المعهد على الرغم من أنه مترجم عندهم. وكتبت مقدمة لكتاب «قراءات نقدية في الفكر المعاصر» ل «عاطف أحمد» الذي نشرته دار المحروسة. وخرج كتابي مع «إيستر نيلسون» بالإنجليزية عن مشوار حياتي تحت عنوان «صوت المنفى ».
13
أصبحت زياراتي لمصر منتظمة في كل إجازة دراسية، ودعاني د. «حسن حنفي» لإلقاء محاضرة في الجمعية الفلسفية المصرية، وكان لطيفا جدا في الإطراء علي. وألتقي «علي مبروك» منذ لقائنا في لايدن مرة أخرى. وألتقي «جابر عصفور» منذ عمليته في القلب بفرنسا، وباتصالي به عادت علاقتنا، واحتفظ كل منا بموقفه مما يحدث. وفي نوفمبر ألفين وخمسة اتصلت بي لجنة جائزة «ابن رشد» للفكر الحر؛ لأنها اختارتني للتكريم هذا العام. وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من نوفمبر، بمعهد جوته ببرلين في ألمانيا، حضرت أنا و«ابتهال»، وحضر السفير المصري في ألمانيا وممثل الجامعة العربية وكوكبة من المفكرين. وقالت المؤسسة إنها تمنح جائزتها «لمفكر عربي إسلامي متميز ومجتهد في أصول الدين؛ هو «نصر حامد أبو زيد»، ولكفاحه المتواصل من أجل إعادة قراءة معاني القرآن قراءة مستقلة عن التفسير التقليدي دافعا حريته الشخصية ثمنا لذلك.» ورغم رمزية هذه الجائزة التي تبرعت بقيمتها للمؤسسة نفسها، لكن هذه الجائزة مثلت عندي معنى ربط اسمي ب «ابن رشد» الذي أعتلي أستاذية كرسي باسمه. وهذه الجائزة على الرغم من أنها تأتي من ألمانيا من مفكرين ونشطاء عرب، فهي تمسح العار الذي لحق بقيمة الحرية - حرية البحث العلمي وحرية العقيدة - في عالمنا العربي والإسلامي، الذي لا توجد به جائزة واحدة لحرية الفكر. وألقيت محاضرة أشرك بها الحضور في همومي الفكرية بعنوان «نحو منهج إسلامي جديد للتأويل»، عرضت فكرتي عن الطريق للخروج من مفهوم النص إلى مفهوم الخطاب.
انخرطت في مشروع كتابة دراسة ل «حركة الإصلاح الديني في العالم الإسلامي، تحليل نقدي تاريخي»، واعتمدت على القسم الثاني من محاضرتي لكرسي «ابن رشد» بتشجيع ودعم الجامعة، وتعاونت معي دكتورة «كاتاجان أمير بور» في الفكر الإيراني، ودكتور «محمد نور كوليس سيتوان» في الفكر الإسلامي الإندونيسي. والسؤال الذي يشغلني هو: إلى أي مدى انخرط الإصلاحيون في تجديد الفكر الإسلامي انخراطا حقيقيا؟ وهل استطاعوا تحدي الصورة السلبية للغرب، والتي يرفعها التقليديون؟ فمنذ القرن الثامن عشر الميلادي وحركة الإحياء الإسلامي في الهند على يد «شاه ولي الله الدهلوي» (1112ه/1702م-1174ه/1762م)، و«محمد بن عبد الوهاب» (1113ه/1703م-1204ه/1791م) في نجد، قبل المرحلة الاستعمارية، وهي محاولة إحياء وإعادة للتقاليد من أجل الوحدة والاستقرار والتضامن، وحاول كل منهما استدعاء سلطة سياسية، وسلطة الفقه لإصلاح حال الأمة. لكن لاختلاف مجتمع المسلمين في الهند عن المجتمع النجدي في الجزيرة العربية؛ فإن المسحة الصوفية كانت واضحة في الهند، فجاء الإحياء قائما على التصوف وعلى الشريعة، وللطبيعة الثقافية الهندوسية والبوذية فقد كان عنده تداخل بين «ابن تيمية» الحنبلي (728ه/1328م) و«ابن عربي» (638ه/1240م) الصوفي، لكن الثقافة في نجد قائمة على التقاليد والأعراف القبلية، فكان الإحياء قائما على «ابن تيمية» فقط.
Página desconocida