Alá, el Universo y el Hombre: Perspectivas en la Historia de las Ideas Religiosas
الله والكون والإنسان: نظرات في تاريخ الافكار الدينية
Géneros
ما يدعى بعصر النهضة العربية لم يكن سوى بارقة نهضة سرعان ما انطفأت. لقد أحدث مفكرو عصر النهضة في القرن التاسع عشر نهضة عابرة في الفكر الإسلامي بقيت آثارها إلى أواسط القرن العشرين، وبعد ذلك عاد الفكر إلى أحضان ابن تيمية ثم آل اليوم إلى ما أدعوه بالجاهلية الإسلامية التي يبدو ابن تيمية مقارنة بها مصلحا ثوريا. (س):
نعود إلى ما ابتدأنا به؛ أي الصوفية. ما هو تأثير رسائل إخوان الصفاء على الصوفية الإسلامية؟ (ج):
لقد كان الإخوان أول من قال بوحدة الوجود في تاريخ الفكر الإسلامي. وعلى الرغم من أنهم لم يستخدموا هذا المصطلح، إلا أن نظريتهم في الفيض الإلهي تستدعي قولهم به، فإذا كان العالم قد فاض عن الله فإن وجوده هو امتداد لوجود الله. وسوف أتوقف فيما يأتي عند اثنين من أعلام الصوفية المتأخرة ممن قالوا بوحدة الوجود، وهما عبد الكريم الجيلي المولود في بغداد، ومحيي الدين بن عربي الأندلسي.
يضع الجيلي فكرة التجلي مقابل فكرة الفيض عند إخوان الصفاء؛ فالتعبيران مختلفان والمضمون واحد؛ ذلك أن الألوهة تتجلى على مراتب، وهذا التجلي أمر اقتضاه ظهور الموجودات عنها، وبغير الموجودات تبقى الألوهة ذاتا مستغرقة في نفسها كوجود مطلق لا ظهور فيه لاسم أو نعت أو إضافة. المرتبة الأولى في خروج الألوهة من كمونها وغناها، يؤشر إليها ظهور الممكنات فيها جميعا. فكل ما سيظهر للوجود فيما بعد هو الآن في حيز الممكن الثابت في الذات الإلهية؛ فهنا يتجلى المطلق في نفسه ولنفسه، وتتأمل الألوهة نفسها دون أن تلحقها الاعتبارات والإضافات. هذا التجلي الأول للذات يدعى الأحدية، وهو أول تنزلات الذات من ظلمة العماء إلى نور المجالي. المرتبة الثانية في التجلي بعد الأحدية هي الألوهية، والله اسم لرب هذه المرتبة وهو الاسم الذي يبصر به الحق نفسه ويتوصل الخلق من خلاله إلى معرفته. وكل الأسماء والصفات واقع تحت الاسم الله؛ لأنه لا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق أسمائه وصفاته. المرتبة الثالثة هي الرحمانية، وهنا تتجلى الألوهة كقدرة خالقة مظاهر الكون كلها ، ولكن الخلق هنا ليس خلق صانع ماهر وإنما خلق ألوهة تنقسم إلى حق وخلق دون أن تفقد وحدتها الأصلية؛ ذلك أن الوجود خلق من حيث مظاهره، وحق، أو ألوهة مولدة من حيث جوهره. والاسم الظاهر في هذه المرتبة هو الرحمن؛ لأن أول رحمة رحم بها الله الموجودات أن أوجد العالم من نفسه، ولهذا سرى ظهوره في الموجودات ولم يتعدد بتعدد مظاهره، بل هو أحد على ما تقتضيه ذاته الكريمة. آخر تجليات الألوهة هو الربوبية. وهو مختص حصرا بعالم الخلق، والرب اسم لهذه المرتبة. ويقع تحت هذا الاسم كل الأسماء التي يتطلبها وجود المخلوقات، مثل العليم والسميع والبصير والمريد والملك، وغيرها؛ لأن كل واحد من هذه الأسماء والصفات يطلب ما يقيم عليه؛ فالعليم يقتضي المعلوم، والقادر مقدورا عليه، والمريد يطلب مرادا، وما أشبه ذلك.
عند هذه المرتبة يظهر الرب في مخلوقاته، ويناجي الساعي إلى معرفته قائلا: أنت خلاصة الأكوان والمقصود بالوجود والحدثان. تقرب إلى شهودي فقد تقربت إليك بوجودي. لا تبتعد فإني أنا الذي قلت: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. لا تتقيد باسم العبد؛ فلولا العبد ما كان الرب. أنت أظهرتني كما أنا أظهرتك، فلولا عبوديتك لم تظهر لي ربوبية. أنت أوجدتني كما أنا أوجدتك، فلولا وجودك ما كان وجودي موجودا. (س):
أعتقد بأن هذه المناجاة تلخص الموقف الصوفي بأكمله! (ج):
هذا صحيح؛ فالوجود مثل دائرة باطنها حق وظاهرها خلق. وكما تتجلى الألوهة ابتداء من الذات عند مركز الدائرة وانتهاء إلى الربوبية عند محيطها، كذلك يكتشف الإنسان الألوهة من خلال هذه المراتب نفسها وبما يتلاءم مع استعداد كل فرد لوطأة الصلة مع المرتبة؛ فالصلة الأولى بين الحق والخلق تعقد مع المجلى الخارجي، مجلى الربوبية، ومع الاسم الرب الذي هو إله الشرائع. وعامة الناس يبقون عادة عند هذه المرتبة عابدين لله تعالى من حيث اسمه الرب، وفوق هؤلاء هنالك زمرة العارفين الذين يعبدونه من حيث اسمه الرحمن، وفوقهم زمرة المحققين الذين يعبدونه من حيث اسمه الله.
فإذا انتقلنا إلى ابن عربي نجد أن العالم ينشأ عن الله من خلال الفيض الذي قال به إخوان الصفاء؛ فأول ما خلق الله العقل الكلي أو العقل الأول، وهو ما يدعوه أيضا بالروح الكلي وبالقلم، استنادا إلى ما ورد في حديث شريف: «أول ما خلق الله العقل»، وحديث آخر: «أول ما خلق الله القلم»، وهو «الحق» أيضا و«الروح» الوارد ذكرهما في أكثر من آية. ويتجه فعل العقل الذي هو بمثابة القلم إلى النفس الكلية التي هي بمثابة اللوح فينتقش عليها ما سيكون في العالم إلى يوم القيامة. وهذه النفس الكلية هي أول موجود انبعاثي منفعل عن العقل، وهي للعقل بمنزلة حواء لآدم. وكان بين العقل أو القلم، والنفس أي اللوح، زواج معنوي نتج عنه المولود الأول وهو الطبيعة، التي تعادل المادة الأولى ثم الجسم المطلق عند إخوان الصفاء. على أن فيض الله تعالى الذي أظهر الكون إلى الوجود لم يحصل مرة واحدة في بدء الزمن، وإنما له صفة الدوام والاستمرار وإلا قامت الموجودات بقواها الذاتية في غنى عن موجدها وهذا محال؛ فالله خالق على الدوام وفعله دائم في كل لحظة، ولو أنه أمسك تجديد الإيجاد على الموجودات لانعدمت في طرفة عين؛ فالوجود الحق هو لله تعالى، أما وجود ما سواه فمستمد منه في كل لحظة، وفي كل لحظة تفنى الموجودات ثم تستعاد مرة أخرى إلى الوجود، تغيب صورها لتحل محلها صور أخرى فيما يأتي من اللحظات. وعلى الرغم من أن هذه الصور الأخرى تبدو عين الصور الغائبة، إلا أنها جديدة كل الجدة وتلي سابقاتها دون فاصل زمني ملحوظ؛ لأن الذهاب هو في الآن نفسه بقاء لما يظهره التجلي الثاني.
إن كل ما هو موجود في عالم الظواهر عبارة عن مجلى أو مظهر إلهي؛ فالحق يتجلى في الأشياء أي يظهر فيها باسمه «الظاهر» الذي يتجه نحو الخارج، أما اسمه «الباطن» فيتجه نحو الغيب ولا يكون فيه تجل أبدا. أما كيف يتكثر الحق في الأشياء دون أن ينقسم، فإن ابن عربي يستعير من إخوان الصفاء نظريتهم العددية في تفسير ذلك؛ فنسبة الباري من الموجودات كنسبة الواحد من العدد، وكما أن الواحد أصل العدد ومنشؤه، كذلك الله هو علة الأشياء وخالقها وأولها وآخرها. وكما أن الواحد لا جزء له ولا مثل في العدد، فكذلك الله لا مثل له ولا شبه في خلقه. وكما أن الواحد محيط بالعدد كله ويعده، كذلك الله جل جلاله. وأما القول إن الواحد أصل العدد ومنشؤه، فلأن الواحد إذا رفعته من الوجود بطل العدد بارتفاعه، ولكن إذا رفعت العدد لم يبطل الواحد. (س):
وماذا عن الكسور العشرية مثل الربع والنصف؟ ألا تعني أن الواحد يتجزأ؟ (ج):
Página desconocida