الإمام المازري

الإمام المازري

Editorial

دار الكتب الشرقية

Ubicación del editor

تونس.

نوابغ المغرب العربي (١)
حسن حسني عبد الوهاب
الإمام المازري (*)
منشورات لجنة البعث الثقافي الإفريقي
ملتزم الطبع والتوزيع
دار الكتب الشرقية - تونس.
- عدد الأجزاء: ١.
- عدد الصفحات: ٩٩.
أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، - غفر الله له ولوالديه -.
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].

(*) ترجمة حياته بمناسبة مرور ثمانمائة عام على وفاته يتقدمها بحث تاريخي عن تسلسل السند العلمي بإفريقية من لدن الفتح العربي إلى القرن الثامن للهجرة.

1 / 1

نوابغ المغرب العربي (١)
حسن حسني عبد الوهاب
الإمام المازري (*)
منشورات لجنة البعث الثقافي الإفريقي
ملتزم الطبع والتوزيع
دار الكتب الشرقية - تونس.

(*) ترجمة حياته بمناسبة مرور ثمانمائة عام على وفاته يتقدمها بحث تاريخي عن تسلسل السند العلمي بإفريقية من لدن الفتح العربي إلى القرن الثامن للهجرة.

1 / 2

الإهداء:
إلى الحبيب الأديب، الوطني الصميم، من ملأ الله قلبه إيمانًا وإخلاصًا ووفاء، ورزقه من الأخلاق العالية ما أكثر محبيه والمعجبين بكمالاته
محمد الهادي المدني
أهدي هذا البحث، راجيًا أن يثير من عاطفته الكريمة ما يزيده تعلقًا بأولئك الأعلام الأفريقيين، قدوة القطر، وفخر المصر.
عبد الوهاب.

1 / 3

كلمة للقارئ:
صدور هذه الدراسة القيمة - أيها القارئ العزيز - هو بداية مشروع للنشر يتجه أولًا إلى خدمة الثقافة التونسية في نواحيها الشتى، في نشر مخطوطات تونسية تمثل الفكر التونسي، وفي بحوث مركزة حول موضوعات إفريقية، وفي التعريف الكاشف بـ «نوابغ المغرب العربي» وهذه الدراسة عن الإمام المازري، والسند العلمي التونسي هي الحلقة الأولى في هذه السلسلة التي سنوافيك بكل حلقة منها في أقرب وقت ممكن إن شاء الله.
ويسرنا أن تكون الحلقة الأولى في هذه السلسلة دراسة مستفيضة عن شخصية إسلامية مجتهدة لعبت دورًا هامًا في تاريخ السند العلمي الإفريقي الذي أسهب المؤلف في الحديث عنه إسهابًا ممتعًا، كشف لنا فيه ناحية مجهولة وهامة، هذه الشخصية هي شخصية الإمام المازري - طَيَّبَ اللهُ ثَرَاهُ - ..
ويسرنا أن تكون هذه الدراسة - وهي بداية عملنا

1 / 5

التونسي - بقلم باحث فاضل قصر حياته المثمرة الطويلة على خدمة تايخنا التونسي، والثقافة الإسلامية في هذه الربوع.
ومن عسى أن يكون هذا الرجل إن لم يكن مؤرخنا التونسي المجدد، ومعيننا في هذا المشروع صاحب المعالي الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب الذي يدين له كثير من الباحثين في المغرب والمشرق بالإعانة والإرشاد.
هذه كلمة تعريف - أيها القارئ الكريم - بعثنا بها إليك بمناسبة تحقيق الخطوة الأولى من خطوات متعددة، وسنلتقي دائمًا حين نعمل، لا حين نقول.
٧/ ٦ / ١٩٥٥ م
لجنة البعث الثقافي الإفريقي.

1 / 6

توطئة:
فيما بين المائة الثانية وأواسط المائة الخامسة من الهجرة كانت «إفريقية» - وهي البلاد التونسية اليوم - ترفل في حلل الرفاهية، وتحيط بها هالات المجد، فتفيض عليها البهاء والرواء.
تعاقبت عليها أجيال من الخلائق والدول، باذلة لها ما في الوسع من جسام المساعي وجلائل الأعمال، فانتظم فيها مجتمع إفريقي ناهض ينظر إلى المستقبل بعين التفاؤل والاستبشار.
وطدت تلك الأجيال والدول في إفريقية التونسي دعائم الحياة الاجتماعية السعيدة، فعملت على ترقية الفلاحة، وتنمية الصناعة، وتنشيط التجارة، وتعميم العلوم والآداب، وبذلك طار صيت البلاد في استكمالها أسباب الحضارة والتمدن وضرب بها المثل في ربوع العالمين.
بينما تمضي إفريقية التونسية إلى أوج العزة والازدهار إذ رماها الزمن بداهية دهياء، زعزعت منها القواعد وردتها على الأعقاب، وأقامت فيها مأتمًا بعد عرس.

1 / 7

كانت تلك الكارثة التي حلت بالبلاد، ولم يكن لها بمثلها عهد منذ تاريخها الأقدم، أنها فقدت وحدتها السياسية وأضاعت سلطانها المركزي، فاختل توازنها، وانهارت حضارتها في أقل من عام.
هجم على إفريقية التونسية بَنُو هِلاَلٍ وَبَنُو سُلَيْمٍ، ولا كهجوم التتر على بغداد - وذلك في سنة ٤٤٩ هـ - (١) كأنهم السيل العرم يتدافع على البطاح، أو كأنهم الجراد المنتشر يحط على الحقول النامية، وما هي إلا أن هدمت القصور والأبنية، وخربت المسالك والميادين، وعاثت في عمران البلاد يد الدمار.
وأصابت النكبة - أول ما أصابت - مدينة القيروان، أم القرى المغربية، وعاصمة الحضارة العربية، فأصحبت خاوية على عروشها، يهيم أهلوها على وجهوههم في أرجاء الأرض العريضة ما بين أصقاع المغرب والأندلس، إلى العراق، إلى ما وراء النهر.
فارق العلم والأدب والفن ربوع القيروان، ومضى يلم شتاته، ويجمع بقاياه، ملتمسًا له ملاذًا في المهدية وسوسة وبعض القرى الساحلية الأخرى.

(١) ضبط التاريخ: هدمت.

1 / 8

وكذلك انهوى ركن العلوم الشرعية الذي تواصل قيامه منذ الفتح العربي، وكاد يندثر لولا بقية صالحة من أولي العزم، حفظوا تعاليم الشريعة، واحتضنوا تراث الرواية، وصانوا سبيل التلقي عن الأسلاف، وبذلك سلم لهم السند العلمي، فعكفوا عليه يحوطونه وينفون عنه الزيف، حتى أسلموه إل الأخلاف؛ لكي يتابعوا نشره إعلاءً لكلمة الله!.
في طليعة هؤلاء الأفذاذ البررة، ذلك الحبر الذي خصصنا ترجمته بتلك الأوراق، وهو (الإمام المَازَرِي) ... وكأن الأقدار ناطب به جمع ما تبدد من منهج السند العلمي القديم القويم، واستنقاذه من العبث الذي جَرَّ إليه الطغيان والجهالة والهمجية في تلك الحقبة من تاريخ إفريقية التونسية.
ويحق لتاريخ العلم في هذا البلد الطيب أن يعد الإمام المازري العروة الوثقى بين الماضي الزاهر لتعاليم الحنيفية السمحة، وبين العصور الوسطى في تاريخ الإسلام.
ولكي تتجلى مزية المازري في هذا الصدد نقدم بين يدي ترجمته إلمامة نتعرف بها كيف تواصل السند العلمي في الشريعة

1 / 9

منذ بزوغ نجمه إلى زمن إمامنا الفذ، وما وليه من العصور إلى قريب من يومنا المشهود.
نَشْأَةُ العِلْمِ الإِسْلاَمِيِّ:
ظهر علم الشريعة أول ما ظهر في إفريقية - وخاصة في القيروان - على يد الصحابة فالتابعين الوافدين على المغرب إبان الفتوح، عن هؤلاء وهؤلاء كان تسلسل السند، فتلقاه منهم ناشئة العرب المولدون، وأبناء الأفارقة والبربر ممن دخلوا في الإسلام، فما يكاد هذا النشء يحفظ القرآن حتى يروي عن أولئك الفاتحين ومن إليهم سنة رسول الله ﷺ وهي المنبع الثاني للشريعة، والأصل التالي للقرآن العظيم في استخلاص أحكام الدين.
وقبل أن نسرد لك أشهر من حملوا العلم، وَرَوَوْا الحديث في إفريقية، وهم الذين يتسق بهم السند العلمي الإفريقي، نستهل البحث بذكر بعض من وفدوا على البلاد وأقاموا بها بعد الفتوح. وقد روى عنهم الحديث والآثار رجال من التابعين

1 / 10

الأولين الذين اتخذوا تلك البلاد وطنًا لهم، بعد أن مهدت بها سبل الاقامة بتأسيس مدينة القيروان وغيرها من المدائن العربية.
البِعْثَةُ الدِّينِيَّةُ:
كان في مقدمة هؤلاء «العشرة التابعون» الذين عينهم الخليفة عمر بن عبد العزيز سنة مائة من الهجرة، لتفقيه الأفارقة في الدين، وإرشادهم إلى هديه، وإشرابهم مُثُلَهُ العُلْيَا، ونحن نخص بالذكر منهم:
- إسماعيل بن أبي المهاجر المخزومي، عامل عمر بن عبد العزيز على المغرب "ورأس البعثة الدينية، فقيه صالح، يروي عن عبد الله بن عمر، وفُضالة بن عبيد، وروى عنه الأوزاعي بالشرق، وعبد الرحمن بن زياد وغيره بالقيروان، وعلى يده أسلم العدد الغالب من البربر، وكان على إسلامهم حريصًا، مات بالقيروان سنة ١٣٣ هـ.
- عبد الله بن يزيد المعافري المعروف بِالحُبُلِيِّ، يروي عن جماعة من الصحابة، منهم: أبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن

1 / 11