882

ولما انصرمت أيام أبي جعفر بعد أن أهلك من آل الرسول-صلى الله عليه وآله- وغيرهم عدة فضلاء صالحين بأنواع من القتل مختلفة، قام بعده ولده المسمى بالمهدي، وهو محمد بن عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس، ويكنى أبا عبدالله، وأمه أم موسى ابنة منصور بن عبدالله بن سهم بن أبي سرح (1) من ولد ذي رعين من ملوك حمير، أخذ له البيعة بمكة الربيع مولاه يوم السبت لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وأتاه ببيعته منارة مولاه فأقام يومين بعد ذلك، ثم خطب الناس وبويع بيعة العامة، وخرج من مدينة السلام بغداد في سنة تسع وستين ومائة يريد بلاد قرماسين من بلاد الدينور، وقد وصف له طبيب هوائه إلى الموصل المعروف بارد والراو فمات بقرية يقال لها: رزين بموضع يسمى ماسندان، ليلة الخميس لسبع بقين من المحرم سنة تسع وستين [ومائة](2) وله اثنتان وأربعون سنة، وقيل: غير(3) ذلك، وصلى عليه ولده المسمى بالرشيد، فكانت خلافته عشر سنين وشهرا وخمسة عشر يوما، وقبض وله ثلاث وأربعون سنة، وقيل: إن مات مسموما، وكان موسى الهادي غايبا بجرجان، وزاد المهدي في المسجد الحرام فهدم حيطانه، وزاد فيه زيادات، واشترى من الناس دورهم ومنازلهم، وصيرت الكعبة في الوسط، وزاد مما يلي الكعبة إلى باب الصفا تسعين ذراعا، ومن الكعبة إلى باب بني شيبة ستين ذراعا، وصير ذرعه مكسرا مائة ألف ذراع وعشرين ألف ذراع [وأربعة أذرع](4)، [وطول المسجد من باب بني جميح إلى باب بني هاشم إلى عند العلم الأخضر أربعمائة ذراع وأربعة أذرع](5)، وعرضه من باب دار الندوة إلى باب الصفاء ثلاثمائة ذراع وأربعة أذرع، وفيه من الأساطين مما حمل في البحر من مصر أربعمائة وأربعة وثمانون وأسطوانة، طول كل أسطوانة عشرة أذرع، وصير فيه أربعمائة طاق وثمانية وتسعين طاقا، وجعل في المسجد من الأبواب ثلاثة وعشرين بابا، وكان المهدي آخر من زاد في المسجد الحرام، وبنى العلمين اللذين يسعى بينهما وبين الصفاء والمروة، وبينهما من الذرع مائة واثنا عشر ذراعا، فصار بين الصفاء والمروة لما أخرج المسجد إلى الموضع الذي هو فيه الآن سبعمائة وأربعة وخمسون ذراعا، ووسع المهدي مسجد النبي-صلى الله عليه وآله- بالمدينة، وزاد فيه مثل ما كان عليه، وحمل إليه عمد الرخام والفسيفساء والذهب، ورفع سقفه وألبس خارج القبر الرخام، وكان المهدي هذا منهمكا في المعاصي واللذات والملاهي، وكان كثير التولية والعزل بغير سبب، وكان له عناية في طلب فضلاء أهل البيت-عليهم السلام- لقتلهم، فسلم بعضهم وأدرك مراده في بعضهم، وكان أبو العتاهية الشاعر في وقته عاشقا لعتبة جارية للخيزران(1)، والخيزران زوجة المهدي أم موسى الهادي وهارون الرشيد، ولأبي العتاهية هذا وتشبيبة لعتبة مقامات عجيبة، ومن قوله فيها:

الله يا حلوة العينين زوريني

يا عتب ما أنت إلا بدعة خلقت?

?

قبل الممات وإلا فاسترريني

Página 326