798

فقيل[له] (1): المحبوسون يضجون ويشكون ما هم فيه من البلاء فالتفت إلى ناحيتهم وقال: {اخسئوا فيها ولا تكلمون}[المؤمنون:108] فيقال: إنه مات في تلك الجمعة، ولم يركب بعدها، فكانت إمرته على العراق عشرين سنة، ومن العجب العجاب ما رواه غير واحد أن عبدالله بن عمر بن الخطاب أتى إلى الحجاج بن يوسف ليلا فدق عليه بابه، فلما دخل قال: أبسط يدك أبايعك عن عبدالملك بن مروان، فإني سمعت رسول الله-صلى الله عليه وآله- يقول: ((من بات ليله وهو لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية)) فلما بايعه وخرج من عنده قال الحجاج: العجب من عبدالله بن عمر إنه بالأمس يقول لعلي بن أبي طالب: أقلني بيعتي، فإني جمل رداح(2) لا غدو له ولا رواح، فأقاله بيعته، وأتاني يبايعني عن عبدالملك، وكتب الحجاج إلى عبدالملك فأمر له بعشرة آلاف، ورواه القاسم بن إبراهيم في كتاب(المنير)، ولم يقتل في أيام عبدالملك وأيام الحجاج أحد من أهل البيت-عليهم السلام-؛ لأن عبد الملك قال للحجاج جنبني دماء أهل هذا البيت، فإني رأيت آل أبي سفيان ولعوا بها فانقرضوا، حكى هذا الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام، ثم قام بعد عبدالملك ولده الوليد بن عبدالملك يكنى أبا العباس، بويع له بدمشق في اليوم الذي توفي(3) فيه أبوه، وهلك الوليد هذا يوم [بدمشق] (4) السبت للنصف من جمادى الآخرة سنت ست وتسعين، فكانت ولايته تسع سنين وثمانية أشهر وليلتين، وهلك وهو ابن ثلاث وأربعين سنه، ووسع الوليد بن عبدالملك مسجد رسول الله-صلى الله عليه وآله- في المدينة، فكتب إلى عمر بن عبدالعزيز وهو عامله عليها أن يهدم مسجد رسول الله-صلى الله عليه وآله- [وأن يدخل فيه المنازل التي حوله، ويدخل فيه حجر أزواج النبي-صلى الله عليه وآله-](5) فهدم عمر المسجد، وهدم بيوت أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) وهدم الحجرات وأدخل ذلك في المسجد، فناشده حبيب بن عبدالله بن الزبير في الحجرات فقال: ناشدتك بالله يا عمر أن تذهب آياته(1) من كتاب الله{إن الذين ينادونك من وراء الحجرات}[الحجرات:4] فأمر به فضرب حتى نضخوه بالماء البارد فمات.

وروى الواقدي: أن الوليد بن عبدالملك بعث إلى ملك الروم يعلمه أنه قد هدم مسجد رسول الله-صلى الله عليه وآله- فليعنه فيه فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهبا ومائة فاعل وأربعين جملا قسيقساء، فبعث الوليد بذلك إلى عمر بن عبد العزيز فأصلح به المسجد.

قال ابن عساكر: كان الوليد بن عبدالملك عند أهل الشام من أفضل خلفائهم بنى المساجد بدمشق، وبنى الجامع الأموي، وهدم كنسية مريخا وزادها فيه، وذلك في ذي القعدة سنة ست وثمانين، وذكر أنه كان في الجامع وهو يبني اثنا عشر ألف مرخم، وتوفي الوليد ولم يتم بناؤه فأتمه سليمان أخوه، وكان جملة ما أنفق على بنائه أربعمائة صندوق، في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار، وكان فيه ستمائة سلسلة ذهبا للقناديل، وما زالت إلى أيام عمر بن عبدالعزيز فجعلها في بيت المال، واتخذ عوضها صفرا وحديدا، وبنى قبة الصخرة ببيت المقدس، وبنى المسجد النبوي ووسعه حتى دخلت الحجرالنبوية فيه مع ذلك، فقد روي أن عمر بن عبدالعزيز قال: لما ألحدت الوليد ارتكض في أكفانه، وغلت يداه إلى عنقه، فنسأل الله العفو والعافية، وفتحت في أيام خلافته الفتوحات العظام مثل السند والهند والأندلس وغير ذلك، انتهى.

وحملت إليه مائدة سليمان بن داود عليه السلام.

قال في كتاب(حياة الحيوان): إن الذي بنى قبة الصخرة هو الوليد وربما أنها قد كانت تصدعت، انتهى.

Página 235