603

وروى في كتاب (كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب) لأبي عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي، عن بعضهم قال: كنت أجول في بعض الفلوات إذ أبصرت ديرا وإذا في الدير صومعة وفيها راهب، فأشرف علي الراهب، فقلت: من أين يأيتك الميرة؟ قال: من مسيرة شهر. فقلت له: حدثني بأعجب ما رأيت؟ فقال: نعم، بينا أنا ذات يوم أدير نظري في هذه البرية وأتفكر(1) في عظمة الله وقدرته إذ رأيت طائرا أبيض مثل النعامة قد وقع على تلك الصخرة فتقيأ رأسا، ثم رجلا، ثم ساقا، فإذا هو كلما تقيء عضوا من تلك الأعضاء، إلتأم بعضها إلى بعض أسرع من البرق بقدرة الله تعالى، حتى استوى رجلا جالسا، فإذا هم بالنهوض نقره الطائر نقرة فقطعه أعضاء، ثم رجع يبتلعه، فلم يزل على ذلك أياما، وكثر والله تعجبي منه وازددت يقينا أن لهذه الأجساد حياة بعد الموت، فألتفت إليه يوما، وقلت: أيها الطائر، سألتك بالذي خلقك إلا أمسكت عنه حتى أسأله، فأجابني الطائر بصوت عزيز طليق: لربي الملك والبقاء، الذي يفني كل شيء ويبقى، أنا ملك من ملائكة الله موكل بهذا الجسد لما أجرم، وأمرني الله عز وجل أن آتي هذا المكان لتسأله وتخاطبه فيخبرك بما كان منه، فقلت: يا أيهذا(2)، الرجل المسيئ إلى نفسه ما قصتك؟ ومن أنت؟ فقال: أنا عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب، فإني لما قتلته وصارت روحي بين يدي الله عز وجل ناولني صحيفة فيها مكتوب ما عملت منذ ولدت، فأمر الله هذا الملك يعذبني إلى يوم القيامة، ثم سكت فنقره الطائر فتفرقت أعضاؤه، ثم ابتلعه عضوا عضوا، ثم قال: يا آدمي، إني ماض عنك بهذا الجسد [إلى الجزيرة](3) من البحر الأسود، الذي يخرج منها هوام أهل النار إلى يوم القيامة.

Página 17