وهما روايتان في هذا الكلام أحدهما هذه، والثانية رواها أبو العيناء عن ابن عائشة قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقبلت فاطمة إلى أبي بكر في لمة من حفدتها، ثم اجتمعت الروايات من هاهنا، ونساء قومها، تطئ ذيولها ما تحرم مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين، والأنصار، وغيرهم، ونيطت دونها ملآة، ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء، وأرتج المجلس ، ثم أمهلت هنيهة حتى إذا سكن نشيج(1) القوم، وهدأت فورتهم أفتتحت كلامها(2) بالحمد لله عز وجل والثناء عليه، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قالت: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم}[التوبة:128] فإن تعزوه تجدوه أبا دون آبائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة مائلا عن سنن المشركين، ضاربا لثبجهم، يدعو إلى سبيل ربه [بالحكمة](3) والموعظة الحسنة، آخذا بإكظام المشركين، يهشم الأصنام، ويفلق الهام، حتى انهزم الجمع، وولوا الدبر، حتى انفرا الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين، وتمت كلمة الإخلاص، وكنتم على شفا حفرة من النار، نهزه الطامع، ومذقه الشارب، وقيه العجلان، وموطا الأقدام، تشربون الرنق، وتقتاتون القذا، أذلة خاسئين، يتخطفكم الناس من حولكم حتى أنقذكم الله برسوله صلى الله عليه وآله وسلم بعد اللتيا والتي، وبعد أن مني سهم الرجال، وذؤبان العرب، وقردة أهل الكتاب، {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله}[المائدة:64] أو نجم قرن الشيطان، أو فغرة فاغرة قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفي، يطأ صماخها بأخمصه، ويطفي عادية لهبها بسيفه، مكدودا في ذات الله، وأنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون، حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ظهرت حسيكة النفاق، وشمل جلباب الفتن، ونطق جاهل الغاوين، ونبغ حامل الإفكين، وهدر فنيق المبطلين فحطر في عرصاتكم، وأطلع(1) الشيطان رأسه صارخا بكم، فدعاكم وألفاكم(2) لدعوته مستجيبين، وللعرة ملاحظين ، ثم استنهضكم فوجدكم حفافا، وأحمسكم فألفاكم(3) عضابا فاسممتم غير إبلكم، ووردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة، {ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}[التوبة:49]، فهيهات وأنا بكم، وأنا تؤفكون وكتاب الله بين أيديكم، زواجره بينة، وشواهده لائحة، وأوامره واضحة، أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون، بيئس للظالمين بدلا، {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}[آل عمران:85]، ثم لم يلبثوا إلا ريثما ..... بياض في المخطوطة (أ) ص 164 .. إلا أن يسكن نفرقها، وأنتم الآن تزعمون ألا(4) إرث لنا، {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}[المائدة:50]، يابن أبي قحافة أترث(5) أباك ولا أرث أبيه(6) {لقد جئت شيئا فريا}[مريم:27]، فدونكها مخطومة من حوله، تلقاك يوم حشرك، منعم الحكم الله والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند[قيام](7) الساعة يحشر المبطلون.
ثم انكفأت إلى قبر أبيها صلى الله عليه وآله وسلم فقالت متمثلة.
قد كان بعدك أنبأ وهيمنة
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها
فليت قبلك كان الموت صادفنا ... لو كنت شاهدتها لم تكثر الخطب
واختل قومك فاشهدهم ولا تعب لما مضيت وحالت دونك الكثب
Página 352