Alf Layla Wa Layla en la Literatura Mundial y un Estudio en Literatura Comparada
الرواية الأم: ألف ليلة وليلة في الآداب العالمية ودراسة في الأدب المقارن
Géneros
وتحكي القصة عن الشاب أبي الحسن الذي يرث تجارة أبيه وثروته، فيقرر أن يقسم ممتلكاته وأمواله إلى قسمين: الأول منهما ينفقه على مسراته، والثاني يبقيه للمستقبل ولا يمسه أبدا. ويعيش أبو الحسن في بادئ الأمر حياة لاهية، فيستضيف كل ليلة مجموعة من أصدقائه الحميمين، ويستمتعون بأطايب الطعام والشراب، والموسيقى والرقص والغناء. ويمضي الحال على ذلك المنوال، حتى يصحو أبو الحسن يوما فيجد أنه قد أنفق كل المال الذي خصصه للهو ولم يبق منه شيء؛ ولما يصارح أصدقاءه بذلك ينفضون من حوله الواحد تلو الآخر. وحين يفكر في طلب قرض من أولئك الأصدقاء، يرفضون، بل ويزعم البعض أنهم لا يعرفونه أصلا. عندها يشعر أبو الحسن بغدر الأصدقاء، ولم يعد يؤمن بالصداقة ولا الوفاء بين الخلان، ويحمد الله أنه قد اقتطع جانبا من ثروته الموروثة كيما ينفق منها على نفسه وعلى أمه التي تعيش معه.
ويصمم أبو الحسن ألا يقيم أواصر صداقة دائمة مع أحد، بيد أنه طلبا للمنادمة، كان يقصد جسر بغداد وينتقي أحد الغرباء عن المدينة فيدعوه إلى العشاء، ويمضيان السهرة في الحديث والطعام، ولا يعود أبو الحسن يرى ضيفه بعد ذلك أبدا. وفي أمسية من تلك الأمسيات، تقع قرعة أبي الحسن على الخليفة هارون الرشيد، الذي كان متنكرا كعادته وهو يطوف أنحاء المدينة متفقدا أحوالها وناسها. وكان الخليفة قد تنكر في هيئة تاجر قادم من الموصل ومعه أحد خدمه. ويستضيف أبو الحسن الخليفة بوصفه تاجرا غريبا عن بغداد، ويتعشيان سويا، ثم يتنادمان ويتساقيان. ويحكي أبو الحسن لضيفه قصته، وعن جحود أصدقائه وتنكرهم له، فيسأل الخليفة التاجر أبا الحسن عن أي شيء يطلبه ردا للكرم الذي أسبغه عليه واحتفائه به بهذا الشكل. ويضحك أبو الحسن، ويقول إن له أمنية واحدة، ولكنها عصية على التحقيق؛ فهو يتمنى أن يصبح الخليفة هارون الرشيد لمدة يوم واحد، كيما ينتقم من إمام المسجد الذي يقع في جيرته، لأنه شيخ منافق يجمع حوله جماعة سوء مثله ويقومون بأعمال النميمة والفساد في كل الجوار. ويضع الخليفة مخدرا في كأس أبي الحسن، فينام، ويحمله خادم الخليفة إلى القصر. وهناك، يطلب هارون الرشيد من حاشيته ووزرائه وخدمه معاملة أبي الحسن حين يفيق في الصباح على أنه أمير المؤمنين هارون الرشيد الخليفة العباسي.
وتمضي الحكاية لتصور دهشة أبي الحسن حين يفيق من أثر المخدر ليجد نفسه في قصر يحيط به الخدم والحشم، والوزراء والأمراء، والقهرمانات والقيان الحسان من كل صنف ولون. ويدخل أبو الحسن في متاهة من التردد بين التصديق والتكذيب، وهذا التردد هو أجمل ما في القصة وأبرعها تصويرا: «وصفق بيديه أمام عينيه، وخفض رأسه وقال لنفسه: «ما معنى كل هذا؟ أين أنا؟ ولمن هذا القصر؟ وما معنى كل هؤلاء الخدم والضباط والسيدات الجميلات والموسيقيين؟ كيف يمكنني أن أميز إذا ما كنت بكامل حواسي أم أنني في حلم؟» كل هذا والخليفة الحقيقي مختبئ من وراء ستار يستمتع بالموقف ويضحك في صمت من ردود فعل أبي الحسن.
ويطلب أبو الحسن من السيدة التي تقف على مقربة منه أن تعض أصبعه كيما يتأكد أهو نائم أم مستيقظ. وحين يشعر بألم العضة يصرخ ويدرك أنه في كامل يقظته. وحين تؤكد له السيدة أنه الخليفة هارون الرشيد، يقول عبارته الشهيرة «آه أيتها المخادعة! إني أعرف تماما من أنا».» وشطرها الثاني هو نفس ما قاله دون كيشوت في خرجة من خرجاته، وأصبح من أشهر الأقوال في الأدب الإسباني، إذ كان جميع من حول دون كيشوت يعرفون حق المعرفة من هو، ما عدا دون كيشوت نفسه الذي كان يتخيل أنه فارس الفرسان وحامي حمى المستضعفين.
وبالطبع، يصدق أبو الحسن آخر الأمر أنه الخليفة، فيأمر وينهى، ويأمر بعقاب إمام الجامع وزمرته الشريرة كما كان يتمنى، وبإرسال ألف دينار ذهبي إلى أمه. وحين يخدره الخليفة الحقيقي آخر الليل ويعيده إلى منزله ثانية، يتراوح موقفه بين التسليم بأنه أبو الحسن وبين أنه الخليفة، وكلما هدأت نفسه واستسلم لكونه التاجر أبا الحسن، يظهر ما يعيده إلى التردد والشك في حقيقة الأمور، مثلما حدث حين تخبره أمه بما حدث لإمام الجامع من عقاب وتجريس، ثم مبلغ الألف دينار الذي جاء الوزير جعفر بنفسه إلى الأم ليعطيه لها هدية من هارون الرشيد. وقد جاء ذلك بتدريج وتراوح جعل من ذلك الموقف بين الأم والابن مشهدا يجسم براعة قصصية وسردية من الدرجة الأولى. ولزم الأمر بعدها أن يمكث أبو الحسن فترة في مستشفى المجانين (ويبدو أنها كانت في ذلك العصر النهضوي أفضل من أي مستشفى للأمراض العقلية في عصرنا هذا!) إلى أن يهدأ نفسيا ويقتنع أنه ليس سوى التاجر أبي الحسن. وتمضي حوادث القصة بأن يتكرر لقاء أبي الحسن مع الخليفة المتنكر مرة أخرى، وتتكرر المنادمة والطعام والشراب، والتخدير، وحمل أبي الحسن مرة أخرى ليصبح في اليوم التالي الخليفة هارون الرشيد. وعندها، تبلغ الدراما السيكلوجية في نفسية أبي الحسن مداها، ولا يدرى حقا أهو في حلم أم يقظة، وتتداخل الأمور تداخلا متشابكا لا يدري معه أبو الحسن ما هي الحقيقة وما هو الوهم وما هو الحلم، حتى يتداركه الخليفة الحقيقي ويكشف حقيقة الأمر. وتمضي القصة بعد ذلك في مجال آخر يرد فيه أبو الحسن الخداع للخليفة على نحو مماثل لا يدخل في مجال بحثنا هذا.
وليس هناك من شك في اطلاع المسرحي الإسباني المشهور «كالديرون دي لا باركا» (1600-1681م) على هذه الحبكة القصصية العربية عند كتابته مسرحيته المشهورة «الحياة حلم»، بل إن لا باركا كان بالضرورة عارفا بحكايات ألف ليلة وليلة، شفاهة أو كتابة، فمسرحيته تبدأ بنفس بداية عدد كبير من حكايات الكتاب العربي. ذلك أن العرافين والمنجمين في بلاط أحد الملوك يتنبئون بأن ابنه سيكون ملكا فاسدا من بعده، قاسيا لا يعرف فؤاده الرحمة حتى تجاه أبيه نفسه. ويتحقق الملك من النذر السيئة لمجيء ابنه حين تموت زوجته الملكة وهي تضع الابن، فيتثبت من قول العرافين من هذا الطالع المشئوم، ويأمر بإلقاء الابن في غيابة سجن انفرادي «تفاديا للمصير الرهيب الذي ينتظره، مضحيا في سبيل ذلك بحريته».
ثم يقرر الملك فيما بعد أن يقوم بتجربة تماثل التجربة التي قام بها هارون الرشيد مع التاجر أبي الحسن، وإن اختلف الهدف منها، بأن يسلم ولده بعد أن شب عن الطوق مقاليد الحكم في المملكة، موهما إياه أنه في حلم عن طريق التخدير، ويراقب أفعاله كيما يرى كيف سيقوم بإدارة البلاد وحكم الرعية. ويتم تنفيذ التجربة في الفصل الثاني من المسرحية، فنرى الابن «سيخسموندو» مبهورا في البداية بمظاهر الملك والجلال، ثم مندفعا بعد ذلك في قسوته ونزعاته البدائية لتحطيم كل ما حوله. وعلى ذلك، يعيده الملك الأب إلى سجنه موهما إياه أن كل ما مر به هو مجرد حلم. وتتطور الحبكة بعد ذلك على نحو «كالديروني» مستقل، حين يفرض الشعب الابن خليفة لأبيه بدلا من الغرباء الذين أراد الأب أن يخلفوه في الحكم، فيحارب الابن أباه وينتصر عليه، ولكنه يكرم الأب بدلا من أن يهينه أو ينتقم منه، ويعمل على حكم الرعية بمنطق العدل والرحمة، فيثبت بذلك كذب النبوءات وقراءات الطالع!
وهناك حكاية أخرى في ألف ليلة وليلة بها ملامح من «الحياة حلم» هي «حكاية الملك جليعاد والشماس»، فهي تدور حول ملك في بلاد الهند يرى حلما يفسره العلماء له بأنه «يظهر منك غلام يكون وارثا للملك عنك بعد طول حياتك ولكنه لا يسير في الرعية بسيرك بل يخالف رسومك ويجور على رعيتك.» وهذه هي نفس بداية مسرحية كالديرون.
من هنا نرى كيف يتفق كالديرون مع هذه الحبكات القصصية التي وردت في ألف ليلة، بيد أنه يتناولها في صياغة درامية حصيفة، فيقدم عملا مسرحيا متكاملا يبين تطور الشخصية والعوامل النفسية التي تتجاذبها، ويقدم حبكات جانبية تسهم في تطور الأحداث والشخصيات، مما جعل من مسرحيته خلقا فنيا رائعا لا ينتقص منه استخدام المؤلف لحبكة حكاية أخرى، مادام قد استخدم تلك الحبكة على نحو فني مستقل، ووظفها لخلق عمل جديد.
وقل نفس الشيء في مسرحية شكسبير «ترويض النمرة» (وكل حبكات مسرحيات شكسبير مأخوذة من أعمال أخرى تاريخية وأدبية). ففي تلك المسرحية، نجد أيضا نفس قصة النائم الذي استيقظ، بل وفي قصة إطارية أيضا كما يحدث في ألف ليلة وليلة. ففي «ترويض النمرة»، يصادف أحد النبلاء، عند عودته من رحلة صيد، أحد الصعاليك ثملا في الغابة، فيجعل حاشيته يحملونه إلى قصره ويوهمونه أنه سيد ذلك القصر بمن وبما فيه، وأنه كان مريضا منذ فترة طويلة، وقد استرد عافيته وقدراته، وأنهم كلهم في خدمته. وتصل فرقة من الممثلين الجوالين، ويمثلون أمام النبيل المزيف إحدى مسرحياتهم لتسليته والترفيه عنه. وبعد ذلك نرى وقائع مسرحية ترويض النمرة ذاتها مشهدا وراء آخر وفصلا تلو فصل، حتى تنتهي دون أن يعود المؤلف إلى القصة الإطار ليحكي ماذا حدث للنبيل والصعلوك. ويبدو أن شكسبير قد نسي القصة الإطار، وركز على حبكة النمرة التي يراد ترويضها، إذ تنتهي المسرحية بترويض النمرة، ولا يدري المشاهد أو القارئ ماذا كان من أمر الصعلوك المتشرد الذي أوهموه أنه نبيل ثري، كما أوهموا أبا الحسن أنه الخليفة هارون الرشيد. (2) الواثق
Página desconocida