الصاحب والخليفة أبو بكر الصديق
الصاحب والخليفة أبو بكر الصديق
Géneros
إنكار الصديق حظ نفسه في الإمارة والسيادة
أين حظ نفسه في الإمارة والسيادة؟ فمع كونه الوزير الأول لرسول الله ﷺ إلا أنه قلما بعثه رسول الله ﷺ أميرًا على سرية، كان ﷺ يبعثه تحت إمرة غيره، فما كان يعترض ولا تتحرك نفسه لقياده أو لسلطة، وأحيانًا يكون الأمير عليه حديث الإسلام، والصديق رجل له باع طويل في الإسلام، لم يكن ينظر لذلك، أرسله رسول الله ﷺ هو وعمر ووجوه الصحابة تحت إمرة عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه في سرية ذات السلاسل سنة ٨ هـ، وكان إسلام عمرو بن العاص حديثًا جدًا، يعني: أسلم منذ خمسة شهور، والصديق أسلم قبل ذلك بأكثر من عشرين سنة ومع ذلك فإنه تقبل الأمر بصدر رحب تمامًا واستمع وأطاع لأميره عمرو بن العاص.
روى الحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن بريدة ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر ﵄، فلما انتهوا إلى مكان الحرب، أمرهم عمرو ألا ينوروا نارًا)، والليلة كانت ليلة باردة، والمسلمون في حاجة إلى الدفء، لكن عمرو بن العاص ﵁ خاف من أن يكتشف العدو مكان المسلمين إذا أشعلوا النار، فغضب عمر بن الخطاب وهم أن يأتيه؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ لم يلاحظ ما فكر فيه عمرو بن العاص، لكن انظروا إلى تجرد الصديق وفقهه وإنكاره لذاته، يقول عبد الله بن بريدة ﵁: فنهاه أبو بكر وأخبره أن رسول الله ﷺ لم يستعمله عليك إلا لعلمه بالحرب، فهدأ عنه عمر ﵁ وأرضاه.
قيمة الإمارة عند الصديق ظهرت في كلمة من كلماته قالها وهو ينصح رجلًا من المسلمين كان ربيلًا، وهو رافع بن عمرو الطائي، والنصح هذا كان في نفس الغزوة ذات السلاسل، وكان رافع بن عمرو الطائي حديث الإسلام فقال: لا تؤمرن على اثنين، يعني لا تطلب الإمرة حتى على رجلين.
وظهر ذلك أيضًا في كلمة أخرى للصديق ﵁ قال: إنه من يك أميرًا فإنه من أطول الناس حسابًا، وأغلظهم عذابًا، ومن لم يكن أميرًا فإنه من أيسر الناس حسابًا وأهونهم عذابًا.
هو هذا فهم الصديق للإمارة ﵁ وأرضاه.
4 / 8