684

المدخل

المدخل

Editorial

دار التراث

Edición

الأولى

Ubicación del editor

القاهرة

Regiones
Egipto
Imperios y Eras
Mamelucos
وَيَنْبَغِي لِلْعَابِدِ أَنْ يَعْرِفَ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ مِنْ أَيْنَ تَأْتِيهِ، وَمَا تَهْوَاهُ النَّفْسُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَصِلُ إلَى الْعَبْدِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ قِبَلِ مُوَافَقَةِ الْهَوَى فَإِذَا بَدَأَ الْعَبْدُ بِنَفْسِهِ، وَمُحَارَبَتِهَا، وَبِهَوَاهُ فَأَمَاتَهُ هَانَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ.
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَإِنْ أَنْتَ وَغِلْت فِيهِ بِالرِّفْقِ أَمْكَنَك، وَشَرُّ السَّيْرِ الْحَقْحَقَةُ، وَقَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ اجْتِهَادٍ يَقْطَعُك فَإِنَّك لَمْ تَرَ شَيْئًا أَشَدَّ تَوَلِّيًا مِنْ الْقَارِئِ إذَا تَوَلَّى، وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ»، وَكَانُوا يُحِبُّونَ الزِّيَادَةَ، وَيَكْرَهُونَ النُّقْصَانَ.
وَيَنْبَغِي لِلْعَابِدِ أَنْ يَكُونَ حَذِرًا مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ فَإِنَّ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ خَالَفَ الْحَقَّ، وَمَنْ خَالَفَ الْحَقَّ هَلَكَ.
فَائْتِ الْعُلَمَاءَ، وَالْزَمْ أَدَبَهُمْ فَإِنْ رَأَيْتهمْ يُقَصِّرُونَ فِي بَعْضِ مَا يَقُولُونَ فَلَا تَزْهَدْ فِيهِمْ، وَاقْتَدِ بِذِي الْبَصِيرَةِ مِنْهُمْ، وَالْبَصَرِ، وَمَنْ يُوَافِقُ قَوْلُهُ فِعْلَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُرْوَى عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَنَّهُ قَالَ: عُقُولُ الرِّجَالِ عَلَى قَدْرِ أَزْمِنَتِهِمْ فَإِذَا نَقَصَ الْعَقْلُ نَقَصَ الْبِرُّ كُلُّهُ فَاعْرِفْ نَفْسَك فِي زَمَانِك وَاعْلَمْ أَنَّ الزُّهْدَ، وَالْعِبَادَةَ، وَالْعِلْمَ الْمَعْمُولَ بِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ قَلِيلٌ، وَإِذَا كَانَ مَنْ يَتَشَبَّهُ بِالْعُلَمَاءِ لَا يَصْبِرُ عَلَى نُزُولِ الْمِحَنِ فَكَيْفَ يَصْبِرُ الْجَاهِلُ عَلَى نُزُولِهَا، وَإِذَا كَانَ مَنْ يَتَشَبَّهُ بِالزُّهَّادِ لَا يَصْبِرُ فَكَيْفَ يَصْبِرُ الرَّاغِبُ فِي الدُّنْيَا، وَالْعَالِمُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ شِدَّةِ الصَّبْرِ خَرَجَ، وَالْجَاهِلُ مِنْ شِدَّةِ الصَّبْرِ حَرَجَ، وَأَمَّا الْعَالِمُ الصَّادِقُ الَّذِي اسْتَوْجَبَ اسْمَ الْعِلْمِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَإِنَّهُ يَكْرَهُ مِنْ عِلْمِهِ بِاَللَّهِ أَنْ يُظْهِرَ بِلِسَانِهِ أَوْ بِيَدِهِ أَوْ بِجَوَارِحِهِ أَكْثَرَ مِمَّا فِي قَلْبِهِ فَيَمْقُتُهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَرَهُ اللَّهُ يُؤْثِرُ دُنْيَاهُ عَلَى آخِرَتِهِ فَصَبَرَ عَلَى الدُّنْيَا، وَصَبَرَ عَلَى الذَّمِّ، وَالتَّقْصِيرِ، وَالتَّقَلُّلِ، وَكَرِهَ الْمَدْحَ، وَالتَّوَسُّعَ مِنْ الدُّنْيَا، وَالْجَاهِلُ الَّذِي يَعْمَلُ بِجَهْلٍ جَزَعَ مِنْ الذَّمِّ، وَفَرِحَ بِالْمَدْحِ، وَالتَّوَسُّعِ مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى صَبَرَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ الْجَزَعِ فَاحْذَرْ

3 / 44