Ideas y Hombres: La Historia del Pensamiento Occidental
أفكار ورجال: قصة الفكر الغربي
Géneros
وأما ثورة الفلاسفة ورجال الأدب على الديانة الأولمبية فنحن نعلم عنها الكثير؛ إذ إن لدينا رسائل بأكملها، لا مجرد شذرات من المعرفة. وفي هذا الكتاب رأينا من قبل أن في أعمال سقراط مثالا من الطريقة التي كان الفلاسفة يسلكونها لتفسير الكون بصورة أقرب إلى العقل من أسلوب الحكايات القديمة، وكيف كانوا يسعون إلى مستويات من السلوك أفضل من التي كانت هذه الحكايات تدعو إليها، وكان بعضهم يقف عند حد الرضا بالمعقولية، وقبول هذه الدنيا التي تميزها معايير الوسط الذهبي من الناحية الخلقية والجمالية. ولم يكن بعضهم الآخر - وبخاصة أفلاطون - على هذه الدرجة من الرضا. إنما كانوا يريدون عالما أفضل - أو عالما آخر. وأخذ الفلاسفة بالتدرج يؤثرون في الألغاز، ويمدونها بأصول دينية مهذبة - أصول دينية كتب لها أن تكون ذات أثر بالغ في الأصول الدينية المسيحية، كما حدث مثلا في فكرة الإله الذي يموت ثم يولد من جديد التي ذكرناها من قبل.
وأكثر الأثينيين المثقفين في أواخر القرن الخامس تجاوزوا كثيرا المعتقدات والطقوس التقليدية التي تتصل بالديانة الأولمبية، ولكنهم لم يبلغوا في ذلك مبلغ سقراط أو أفلاطون. ومهما يكن من شيء فإن عبادة آثنا كانت مشاركة في أثينا المتفائلة الناشطة في أيامها العظمى. وقد نشأ هؤلاء الأثينيون المثقفون على قصص هومر. ولما شهدوا هذه القصص وغيرها مترجمة إلى مسرحيات تأثروا، على الأقل كما تأثر الناس في عهد إليزابث بمسرحيات شيكسبير التاريخية.
وقد ارتفعت هذه الحكايات التي عالجها كتاب المسرحية - حتى أكثرها توحشا بدائيا، الذي يعج بجرائم القتل والانتقام العنيف - إلى مستوى الجدل في مصير الإنسان. وكانت مآسي يسكلس، وسوفوكليز، ويوربيديز عبارة عن مناقشات رفيعة، شعرية، محسوسة، لذلك الضرب من الأسئلة الذي كان يقض مضاجع الفلاسفة. ما هو العدل؟ وما هي الفضيلة؟ وهل العالم الذي نعيش فيه مكان عادل؟ وهل الإنسان حر في اختيار الحق والباطل؟ وكيف يستطيع المرء أن يميز بين الحق والباطل؟ إن كتاب المسرحية لم يقدموا جميعا نفس الإجابات. وحتى الثلاثة الذين نملك مسرحياتهم كانوا ذوي أمزجة مختلفة.
ولا نكون - برغم هذا - بعيدين عن الإنصاف إذا قلنا إن هذه المآسي تشترك في قواعد خلقية تعلو كثيرا على المستوى الذي ينعكس في الميراث الحقيقي للأساطير اليونانية، وأنها تقف موقف القبول في إباء وشجاعة لهذه الدنيا الصارمة التي لا تفترق عن الدنيوية الأكثر تفاؤلا التي عرضناها عرضا موجزا عند دراستنا للثقافة العظمى. المأساة في أتيكا لا تقوم على حكم العقل، ولا تتجاهل أعماق المشاعر الإنسانية، ولا يغيب عنها كثير من الألغاز. ولكنها بالتأكيد لا تفرق تفرقة واضحة بين عالم الحواس هذا وبين عالم آخر من الحقيقة الإلهية كذلك الذي رسمه أفلاطون أو المسيحية. إن هذا الكون عند هؤلاء الأثينيين المثقفين لم يخلق قط لسعادة الإنسان الميسرة. وكثيرا ما يعاني الناس بسبب أعمالهم الطيبة، وليس بسبب ما يقترفون من آثام فحسب. وليست الآلهة - إن كان هناك آلهة - تلك الصور المعظمة البريئة للإنسان، كما كانت تصور في الحكايات القديمة على ما يبدو؛ فالآلهة أيضا تخضع للقدر، وللحاجة، ولتلك الارتباطات الغامضة التي لا مفر منها التي تربط الناس أجمعين. والناس يحملون مصيرهم في ثنايا شخصياتهم، التي لم يخلقوها كلها لأنفسهم؛ لأنهم يحملون عبء الميراث الثقيل، وهو ميراث اجتماعي وبدني. غير أن الناس يستطيعون - مع ذلك - أن يواجهوا هذا المصير، وهذه الحاجة، بشجاعة وإباء، ويفوزون من المعركة بالشرف، بل وبنوع من الطمأنينة. إن الحياة الطيبة ليست حياة سهلة، وليست حياة رخيصة، وليست دائما حياة ناجحة بمعنى النجاح الشائع. ولا بد من قضائها هنا فوق هذه الأرض إن كان لا بد أن تقضى، ولكنها حياة ممكنة.
ولم يكتف أفلاطون، ولم يكتف كثيرون غيره من الإغريق المتعلمين، بهذا القبول الصارم للدنيا. والواقع أن أفلاطون استمد شيئا من جماعة منظمة تسمى الفيثاغوريين، وهي جماعة تكون حلقة بين مذاهب الألغاز الشائعة وعمل الفلاسفة. كان الفيثاغوريون نوعا من أصحاب المذاهب المتحذلقين استمدوا اسمهم من زعيمهم ومؤسس طائفتهم الفيلسوف الرياضي فيثاغورس، الذي أشرنا من قبل إلى نظرياته في المثلثات ذات الزوايا القائمة. كانوا يقولون بتناسخ الأرواح، وكثير غير ذلك من الآراء الأورفية أو الشرقية في منشئها. وكانوا يخلطون رياضياتهم (وهي رياضيات متقدمة ممتازة بالنسبة إلى عصرها) بالإيمان الصوفي، الطرق الصوفية، بطريقة ربما كانت شبيهة بالطريقة التي يمزج بها بعض الفلكيين المحدثين علمهم ببحثهم الصوفي عن الإله الذي لا يحد. وإحساسهم الأساسي بأن العلم لا يكشف عن عالم آلي، منته، أوتوماتيكي (وهو عالم يشبه عالم الفيزياء المتوسط في القرن التاسع عشر)، وأن العلم إنما يكشف عن عالم غامض يدعو إلى مغامرة الفكر، هذا الإحساس يتفق تمام الاتفاق وموقف كثير من علمائنا المعاصرين. لقد كانوا محترمين من الناحية العقلية قطعا، وربما أخذ أفلاطون عنهم الكثير.
ويأتي أفلاطون في النهاية بمعايير خلقية هي - وإن لم تنكر الجسم كل الإنكار، وتنبذه نبذا كاملا، وتحاول أن تعذبه - على الأقل متطرفة في تعلقها بالعالم الآخر. إن الشهوة - وحتى الشهوة المعتدلة - ليست عند أفلاطون شيئا مستحبا. إن كثرة الناس تتمرغ في حمأة الحواس، ولكن القلة المفتداة قد ترى النور، وتعيش عيشة طاهرة، وتحيا حياة الفكر والمثل الأعلى. الجسم يفنى ، ولكن الفكرة - أو الروح - خالدة. وربما اعتنق أفلاطون في وقت من الأوقات صورة من صور المذهب الفيثاغوري الذي يقول بتناسخ الأرواح، ولكنه ينتهي آخر الأمر إلى مثال خالص فريد، ويكاد في الواقع يكون مسيحيا ومن المتطهرين. إلهه واحد، أبدي، كامل، حقيقي، غير محدود. والروح البشرية تستطيع - بل يتحتم عليها - أن تتطلع إلى الاتحاد مع هذه الألوهية، ولكن بغير طريق الطقوس، أو السحر، أو أي عمل دنيوي. لا بد للروح أن تطهر نفسها من الجسم المادي بازدرائها الأشياء التي يحتاج إليها الجسم ولسنا نعرف هل كان أفلاطون نفسه زاهدا؟ وفي كثير من محاوراته - كمحاورة فيلبس على سبيل المثال - يقترب من الفكرة الإغريقية التقليدية عن متعة الجسد، وهو لم يشر قط إلى تحرير الروح بالانتحار، وإن يكن في لحظاته الثائرة يسوي بين الجسم، والمادة، والشر. إن الخلاص يتوقف على حياة مادية إلى أدنى حد مستطاع، روحانية إلى أقصى حد ممكن. والواقع أن هذا تعبير عام - بل ومضلل في عين أتباع أفلاطون - عما يصوغه أفلاطون في ألفاظ بلغت غاية الجمال. ولكنه يبين لنا إلى أي حد ابتعد أفلاطون، لا عن رجل الشارع فحسب، بل عن التقاليد والمثل في الثقافة العظمى. وتدل هذه الأفكار على أقل تقدير على أن كثيرا من الناس لم يعد يجد هذه الدنيا مكانا طيبا مثيرا، جذابا، كما وجده قطعا بركليز، وكما وجده رجال الفن ورجال الأدب في العصر الأعظم.
أزمة القرن الرابع
تحولت الثقافة التي سبق شرحها تحولا كبيرا في القرن الذي يقع بين بداية حرب البلوبونيز في عام 431ق.م وانتصار الملك فيليب المقدوني على المدن الحكومية اليونانية في عام 338ق.م، ولم تعد المدينة الحكومية - التي نشأت فيها هذه الثقافة كما نشأت ثقافتنا في الحكومة القومية - مستقلة استقلالا حقيقيا. وبالرغم من أن كل المدن الحكومية قد احتفظت بكثير من مظاهر حكمها المحلي ومن الأشكال القديمة، إلا أنها وقعت تحت السيطرة النهائية للمقدونيين أولا، وللرومان فيما بعد، واندمجت في نوع جديد من الدولة سوف نتعرض له بالدرس في الفصل التالي. وبنهاية استقلال هذه المدن اختفى من ثقافتها شيء ما، ولم يسترد الإغريق قط بعد القرن الرابع الأصالة، ووحدة القوة مع الرقي، والانتشار والتنوع، الذي اتصف به ما أسميناه الثقافة العظمى. وأطلق المؤرخون لفظة «الهلينستية» عنوانا للثقافة التي سادت في القرون الثلاثة الأخيرة قبل ميلاد المسيح، تمييزا لها عن الثقافة «الهلينية» أو الإغريقية. وارتبط هذا الاصطلاح (الهلينستية) دائما بالدلالة على الحذلقة، والأكاديمية، والتقليد، والمهارات الفنية، دون عمق أو إلهام.
ويجب أن نقف هنا لحظة أخرى عند إحدى صعوبات تاريخ الفكر، وهي صعوبة التقينا بها من قبل، وتلك هي مشكلة الحياة والموت، أو الازدهار والتدهور، في ثقافة من الثقافات. وإن احتفاظ مجتمعنا الغربي بدوام البقاء ليدل على معنى من المعاني. وكانت المدن بين الحين والحين تتحول إلى دمار شامل بحيث لا يبقى فيها ساكن واحد، كما حدث في مدينة بلميرا الصحراوية. ولم يبق من أثينا ذاتها في عام 1600م سوى منازل قليلة متناثرة بين أطلال أكروبوليس، وإن تكن اليوم - بالرغم من الحروب والاضطراب المدني - تحوي سكانا أكثر مما حوت في عهد بركليز. أما روما فلم تتدهور قط إلى المستوى الذي انحدرت إليه أثينا. ومن الواضح أن حياة الاستمرار في الأجيال لم تنقطع قط كلية. كما أنه لم يوجد من الأجيال ما عاش بغير اضطراب مدني، أو شغب، أو قلقلة اقتصادية، أو شكاوى فردية.
ونستطيع أن نقول - برغم هذا - كمثال محسوس، إن أوائل القرن الخامس قبل الميلاد ومنتصفه كانت نقطة مرتفعة في بلاد اليونان، كانت من أوقات الأعمال الثقافية العظمى، ومن أوقات الاستقرار والأمن النسبي، كانت وقتا سعيدا. ونستطيع أن نقول إن القرن الذي تلا نشوب حرب بلوبونيز كان عهد تدهور، وقلاقل، واضطراب في الأمن، كان وقتا تحمل فيه حتى الأعمال الثقافية العظمى طابع النضال، أو قل كان وقتا غير سعيد. وبالرغم من أن أمثال هذه المقارنات لا تكون دقيقة إطلاقا، ولا تعدو أن تكون مجرد إشارة من الإشارات، إلا أن القرن التاسع عشر قد يبدو في لوحة التاريخ نقطة مرتفعة في الأمن والثقافة، كما يبدو القرن العشرون عهد اضطراب وقلاقل.
Página desconocida